رغاوي الهشاشة والاعتراف في 'البيرة الساقعة' لأمينة عبدالله

القراءة تستكشف انحياز الديوان لجماليات الهامش والجسد والاعتراف كفعل مقاومة ناعمة داخل قصيدة العامية المصرية.

تمهيد: كتابة من منطقة الخطر الإنساني

لا يدخل القارئ إلى ديوان "رغاوي البيرة الساقعة" وهو مطمئن إلى تقاليد الشعر أو إلى أفق جمالي مستقر. فمنذ العنوان، ومنذ الغلاف الأصفر الصادم بزجاجته الخضراء، تضعنا أمينة عبد الله أمام كتابة تُصرّ على كسر الألفة، لا بوصفها استفزازًا مجانيًا، بل باعتبارها استدعاءً مباشرًا لواقع إنساني مأزوم، يُرى من زاوية المهمَّش، والعابر، واليوميّ الذي اعتادت العين تجاهله.

الديوان، الصادر في طبعته الأولى عام 2007 ضمن "كراسات يدوية"، لا يتعامل مع الشعر بوصفه صنعة لغوية منغلقة على ذاتها، بل بوصفه مساحة اعتراف، وفضاء تجربة، وسجلًا حسيًا للوجع المعاصر. فالشاعرة لا تكتب من برجٍ عالٍ، بل من "بار"، ومن شارع، ومن جسدٍ مثقل بالأسئلة، ومن ذاكرة تعرف القسوة أكثر مما تعرف اليقين.

أولًا: العنوان بوصفه عتبة دلالية

يحمل عنوان الديوان طاقة إيحائية لافتة؛ فـ"البيرة" لا تُستدعى هنا كمشروب، بل كـحالة وجودية: محاولة للتخفيف، أو مهرب مؤقت من ثقل العالم، أو فسحة قصيرة داخل حياة مُنهِكة. أما "الرغاوي" فهي ما يبدو كثيرًا وهو في حقيقته زائل، وما يسرق الجوهر إذا أسيء التعامل معه.

وتقدّم الشاعرة واحدة من أكثر استعارات الديوان دقة حين تربط بين التأني في اتخاذ القرار وطريقة صبّ البيرة: البطء يُخفي الرغوة، والسرعة تُبدّد السائل. يتحول المشهد اليومي العابر إلى تأمل فلسفي في الاختيار، والخسارة، وإدارة الحياة بين الإفراط والتفريط.

ثانيًا: لغة عامية بلا براءة لغوية

تكتب أمينة عبد الله بالعامية المصرية، لا بوصفها لغة سهلة أو شعبوية، بل باعتبارها وسيطًا قادرًا على حمل التعقيد الوجودي. إنها عامية واعية بذاتها، تعرف متى تكون ساخرة، ومتى تكون جارحة، ومتى تتخلى عن البلاغة لتترك الألم عاريًا.

اللغة هنا لا تُجمّل الواقع ولا تهادنه، بل تفضحه. مفردات مثل: الخمرة، المنديل الورق، البار، العرق، الجسد، الوحدة تتحول من عناصر هامشية إلى مفاتيح دلالية لفهم العالم. لا اعتذار لغوي، ولا تورية أخلاقية؛ فالشعر لا يخجل من جسده، ولا يتبرأ من هشاشته.

ثالثًا: الجسد بوصفه مسرح التجربة

الجسد في هذا الديوان ليس موضوعًا ثانويًا، بل مسرحًا مركزيًا للصراع: صراع الذاكرة، والرغبة، والخوف، والعنف الرمزي. الجسد الأنثوي يظهر بوصفه كيانًا مُراقَبًا، مُساء فهمه، ومُثقلًا بثقافة العيب، لكنه في الوقت ذاته جسدٌ كاتب، معترف، ومقاوم بطريقته الخاصة.

تقترب الشاعرة من مناطق مسكوت عنها: البلوغ، الحرج الجسدي، النظرة الذكورية، صدمة الاكتشاف الأول، دون خطابية أو ادعاء. إنها تكتب عبر تفاصيل صغيرة، تجعل القارئ شريكًا في الإحساس، لا متلقيًا لدرس أخلاقي جاهز.

رابعًا: المدينة بوصفها كائنًا مشاركًا

لا تحضر المدينة بوصفها خلفية محايدة، بل ككائن حيّ: يفرح، ويتوحش، ويخون، ويحتوي. الشوارع، المقاهي، البارات، الأرصفة، والميادين تتحول إلى ذاكرة جمعية تتقاطع مع الذاكرة الفردية، وتعيد تشكيلها.

أما الشخصيات العابرة – بائعة المناديل، عم محمد، عم السيد سليمان – فليست زينة سردية، بل علامات إنسانية كثيفة، تكشف عن حسّ اجتماعي عميق، وانحياز واضح للمكسورين، ولمن يعيشون على هامش الضوء.

خامسًا: بنية مفتوحة ووعي بالتشظي

إعلان الشاعرة أن النصوص غير خاضعة لترتيب مسبق ليس اختيارًا شكليًا، بل تعبير عن وعي حادّ بالتشظي. فالتجربة الإنسانية، كما تُقدَّم هنا، غير خطية، ولا تسير في مسار منطقي متصاعد.

الديوان أقرب إلى فسيفساء شعورية أو دفتر يوميات روحي، تتجاور فيه النصوص الطويلة والقصيرة، الاعتراف والتأمل، السخرية والحزن، من دون ادعاء وحدة مصطنعة أو انسجام قسري.

سادسًا: الشعر كفعل مقاومة ناعمة

في عمقه، يمكن قراءة "رغاوي البيرة الساقعة" بوصفه فعل مقاومة هادئة: مقاومة للزيف، وللأدوار الجاهزة، وللخطاب الأخلاقي المعلّب. الكتابة هنا ليست ترفًا جماليًا، بل ضرورة وجودية، ومحاولة لفهم الذات والعالم، حتى وإن انتهت بلا إجابات.

لا تبحث أمينة عبد الله عن بطولة زائفة أو خلاص فردي، بل عن صدق التجربة بوصفه معيارًا جماليًا وأخلاقيًا في آن. وهو صدق لا يقوم على الصدمة، بل على الاستمرار في النظر، حتى حين يكون النظر مؤلمًا.

خاتمة: الرغوة بوصفها أثرًا لا زينة

قد تبدو الرغاوي سريعة الزوال بطبيعتها، غير أن الشاعرة تمنحها كثافة ومعنى، وتحول الهشاشة إلى أثر قابل للتأمل. ليس هذا ديوانًا يُقرأ طلبًا للراحة أو الاكتمال، بل من أجل الاشتباك: مع الذات، ومع الجسد، ومع المدينة، ومع فكرة الحب حين تفقد براءتها.

إنه كتاب يفرض حضوره بجرأته وصدقه، لا عبر الصدمة، بل عبر الإصرار على الرؤية، وعلى تسمية الأشياء بأسمائها، مهما بدت موجعة.

هامش نقدي: موقع الديوان في شعر العامية المصرية المعاصر

يمكن إدراج "رغاوي البيرة الساقعة" ضمن موجة شعيرية في العامية المصرية منذ مطلع الألفية، انحازت إلى اليومي والهشّ والذاتي، وابتعدت عن الخطابية المباشرة. غير أن الديوان لا يذوب في هذا السياق، بل يحتفظ بخصوصيته.

فبينما انشغل كثيرون بتفكيك اللغة أو بالسخرية من الواقع، تذهب أمينة عبد الله إلى منطقة أكثر حساسية: تفكيك الإحساس ذاته. الجسد هنا موضوع سؤال، والمدينة شريك في القسوة، والعلاقة اختبار دائم للقدرة على الاحتمال.

فقرة مقارنة: الصوت النسوي بين الاعتراف واليومي

عند مقاربة الديوان بتجارب نسوية أخرى في شعر العامية، يبرز اختلاف جوهري في زاوية الاشتغال. فبدل تحويل الجسد إلى ساحة مواجهة مباشرة، أو الألم إلى شعار، تختار الشاعرة تعريض التجربة نفسها للانكشاف الهادئ.

إنها كتابة داخلية، تتقاطع مع غيرها في الهمّ، لكنها تفترق عنها في الأسلوب، وفي رفض تحويل المعاناة إلى خطاب جاهز. وبهذا يضيف الديوان مساحة جديدة لما يمكن قوله، وكيف يمكن قوله، دون ادعاء تمثيل أو وصاية.


مراجع وإشارات

أمينة عبد الله: رغاوي البيرة الساقعة، كراسات يدوية، الطبعة الأولى، 2007.

مجدي الجابري: نصوص شعرية – إشارة واردة في الديوان.

عبد الله الغذامي: الخطيئة والتكفير، المركز الثقافي العربي.

صلاح فضل: بلاغة الخطاب وعلم النص.

إدوارد سعيد: تأملات حول المنفى.