ميادة الحناوي تستعيد مجد الأغنية الأصيلة في موازين
الرباط – تتواصل وتيرة الإعلان عن نجوم الدورة الحادية والعشرين من مهرجان 'موازين.. إيقاعات العالم'، في ظل حماس متزايد يطبع تفاعل الجمهور عبر مختلف منصات التواصل الاجتماعي، وترقب واسع للأسماء الفنية التي ستزين منصات هذا الحدث الموسيقي خلال الأسابيع المقبلة.
وبين الأسماء التي أثارت اهتماما خاصا، جاء الإعلان عن حضور الفنانة القديرة ميادة الحناوي، التي ستعتلي خشبة المسرح الوطني محمد الخامس في أمسية طربية ينتظر أن تستحضر ذاكرة الأغنية العربية الأصيلة، وتستقطب عشاق اللون الكلاسيكي الذين ظلوا أوفياء لأعمالها الخالدة.
ميادة الحناوي ليست مجرد اسم في سجل الأغنية العربية؛ إنها رمز لمرحلة كاملة من الطرب الأصيل الذي شكّل وجدان المستمعين لعقود.
منذ بداياتها في سبعينيات القرن الماضي، ارتبط صوتها بالقصائد الغنائية الطويلة التي حملت توقيع كبار الملحنين والشعراء، لتصبح جزءا من المشهد الفني الذي أعاد للأغنية العربية مكانتها كفن راقٍ يتجاوز حدود الترفيه.
ولا تزال أغنياتها مثل 'أنا بعشقك' و'الحب اللي كان' و'سيدي أنا' تُردد حتى اليوم، شاهدة على قدرة صوتها على اختراق الزمن.
ولدت ميادة في مدينة حلب السورية، وبرزت موهبتها مبكرا لتلفت أنظار كبار الملحنين، وفي مقدمتهم بليغ حمدي الذي شكّل معها ثنائيا فنيا استثنائيا. ومنحها تعاونها مع بليغ مساحة واسعة للتجريب والابتكار، حيث مزجت بين الطابع الكلاسيكي للأغنية العربية والجرأة في الأداء، لتصبح صوتا مميزا في زمن كانت فيه المنافسة محتدمة بين عمالقة الطرب.
وكان صوتها يحمل شحنة وجدانية عميقة جعلت من كل أغنية تجربة عاطفية كاملة. هذا العمق الفني جعلها قادرة على منافسة أسماء كبرى مثل وردة الجزائرية ونجاة الصغيرة، مع الحفاظ على خصوصيتها الفنية.
رغم مرور عقود على بداياتها، ظل حضور ميادة الحناوي قويا في وجدان الجمهور العربي. حفلاتها في القاهرة ودمشق وبيروت كانت بمثابة لقاءات جماهيرية مع ذاكرة الطرب، حيث يتردد الجمهور مع صوتها في حالة من التماهي العاطفي. حتى في السنوات الأخيرة، ورغم ابتعادها نسبيا عن الأضواء، بقي اسمها مرتبطا بالوفاء للأغنية الأصيلة، بعيدا عن موجات التغيير السريع التي اجتاحت الساحة الفنية.
إعلان مشاركة ميادة في مهرجان موازين يحمل دلالات تتجاوز مجرد برمجة فنية. فالمهرجان، الذي يجمع بين الأصوات العالمية والعربية، يسعى إلى خلق توازن بين الحداثة والذاكرة، بين الإيقاعات الجديدة والطرب الأصيل.
وسيكون حضور ميادة على خشبة المسرح الوطني محمد الخامس بمثابة استعادة لروح زمن ذهبي، وفي الوقت نفسه تأكيد على أن الأغنية الكلاسيكية لا تزال قادرة على جذب الجمهور في عصر السرعة الرقمية.
وينتظر الجمهور المغربي، المعروف بشغفه بالطرب، هذه الأمسية بشغف خاص، إذ يرى فيها فرصة للعودة إلى لحظات من الصفاء الفني التي قلّما تتكرر في المشهد الموسيقي الراهن.
ما يجعل تجربة ميادة الحناوي جديرة بالاحتفاء هو قدرتها على الاستمرار رغم التحولات الكبرى في صناعة الموسيقى.
وفي زمن الأغنية السريعة والمحتوى الرقمي، بقيت أعمالها شاهدة على قيمة الفن الذي يُبنى على الكلمة واللحن والصوت. هذا الإرث لا يقتصر على الماضي، بل يتجدد مع كل جيل يكتشف صوتها ويجد فيه صدى لتجارب إنسانية عابرة للزمن.
وستقف ميادة أمام جمهور متعدد الثقافات، لتؤكد أن الطرب العربي ليس مجرد تراث، بل لغة عالمية قادرة على التواصل مع مختلف الأذواق.
منذ تأسيسه، حرص مهرجان موازين على أن يكون جسرا بين الثقافات، يجمع بين الأصوات العالمية والعربية في فضاء واحد. مشاركة ميادة الحناوي في الدورة الحادية والعشرين تأتي لتكرّس هذا الدور، إذ تمثل صوتا عربياً أصيلا يلتقي مع أصوات من مختلف أنحاء العالم.