المغرب يغني ألحانا أندلسية في قلب باريس
باريس – تستضيف باريس بين التاسع والعشرين من مايو/أيار والثالث من يونيو/حزيران الدورةَ الثانية لمهرجان 'الأندلسيات'، في حدث يختار فيه المنظمون المغربَ ضيفَ شرف، تقديرا لمكانته الاستثنائية في صون هذا الإرث الإنساني المشترك وتجديده.
وجاء هذا الاختيار لأن المغرب يمثّل اليوم أحد أعمق الحواضن الحية للموسيقى الأندلسية في العالم، وريثا وفيا لحضارة أُسدل عليها الستار في غرناطة منذ أكثر من خمسة قرون، غير أنها أبت أن تموت، فاستوطنت في مدن الشمال المغربي والسواحل الأطلسية، وتجذّرت في وجدان أجيال تناقلتها أباً عن جد.
وتُعرف الموسيقى الأندلسية المغربية بـ'الآلة'، وهو مسمّى لا يحيل إلى الأدوات الموسيقية وحسها، بل يُشير إلى منظومة فنية متكاملة تضمّ المقامات والإيقاعات والنصوص الشعرية والأداء الجماعي المنضبط. وهي في جوهرها فلسفة تربوية قبل أن تكون فنا، إذ يتعلّم من يتلقّاها في الجمعيات والمدارس الموسيقية قيم الإنصات والانضباط والانتماء إلى جماعة تحمل ذاكرة مشتركة.
تنتشر فرق هذه الموسيقى في مدن مثل فاس وتطوان والرباط وشفشاون وسلا، وتضطلع كل واحدة منها بدور محوري في الحفاظ على هذا الإرث وتطويره، فـ'جوق محمد العربي التمسماني' بتطوان أسّس مدرسة موسيقية متكاملة أخرجت أجيالا من العازفين والمنشدين، فيما ارتبط اسم 'جوق عبد الكريم الرايس' بفاس بصون الصيغ التقليدية للأدوار والطبوع بأمانة علمية نادرة. أما 'أوركسترا الرباط'، فقد أسهمت في تطوير صنف 'الغرناطي'، ذلك الامتداد الموسيقي العابر للحدود الذي يجمع المغرب الشرقي بالغرب الجزائري في مساحة صوتية واحدة.
ولم تكتفِ هذه الفرق بالأداء، بل عملت على تدوين الألحان وتوثيق النصوص، مدركةً أن الذاكرة الشفهية وحدها لا تكفي لصون تراث بهذا الثراء والتعقيد. وبفضل هذا الجهد التوثيقي الدؤوب، نجت 'الآلة' من مخاطر الاندثار وباتت اليوم مادةً حيّة للدراسة والبحث والإبداع.
ويقدّم المهرجان، المنظَّم بشراكة مع جمعية هواة الموسيقى الأندلسية بالمغرب، برنامجا يتيح للجمهور الأوروبي أن يعبر في رحلة موسيقية واحدة عبر قرون من التاريخ والوجدان.
يُفتتح الحدث في التاسع والعشرين من مايو/ايار بحفل الفنان علي الرباحي، الذي يُعدّ من أبرز أصوات الأندلسيات المغربية المعاصرة. يمزج الرباحي في أدائه بين صرامة 'الآلة' الكلاسيكية وسمو المديح والسماع الروحي، ليقدّم تجربة تحلّق بالمستمع بين الجمال الصوتي والتأمل الصوفي.
وفي اليوم التالي، يصعد إلى المنصة 'سفراء الموسيقى الأندلسية المغربية' في فرنسا، وهم فنانون شباب يحملون رسالة هذا الفن بين الجاليات العربية وسط الجمهور الأوروبي، ويجسّدون عبر حضورهم أن التراث ليس معلّقاً في الماضي، بل يتجدد بكل جيل يختار حمله.
ويشهد الحادي والثلاثون من مايو/أيار تقديما استثنائيا لـ'حضرات شفشاون'، تلك التجربة الروحية التي تختلط فيها الموسيقى بالذكر والمعرفة الصوفية، والتي تعكس خصوصية مدينة الجبال الزرقاء وعمقها الروحاني.
ثم يأتي الثاني من يونيو موعداً لأوركسترا الرباط بقيادة المايسترو محمد أمين الدبي والصوت بهاء روندة، في أمسية تستعيد روح "الغرناطي" بكل ما فيه من رقة وانسياب.
ويُختتم المهرجان في الثالث من يونيو/حزيران بندوة أكاديمية تتناول أنطولوجيا الموسيقى الأندلسية المغربية، قبل أن يسدل الستار بحفل أوركسترا 'روافد' بقيادة الفنان عمر المتيوي؛ ختام يجمع بين العلم والفن في خلاصة تليق بمهرجان يحتفي بالإرث الإنساني في أرقى تجلياته.
ما يجعل مهرجان 'الأندلسيات' تجربة فريدة ليس فقط جودة ما يُقدَّم على خشبته، بل طبيعة الجمهور الذي يتلقّاه، فالمستمع الأوروبي يجد في هذه الألحان صدى لماضٍ مشترك ربط ضفتَي المتوسط قرونا طويلة، بينما يكتشف الجمهور العربي في المهجر عمقا موسيقيا يُرسّخ انتماءه الثقافي في أرض الغربة. وبين هذين وذاك، يتأكد أن الأندلسيات ليست ملكاً لأمة بعينها، بل إرث إنساني تتشارك في حمله حضارات عديدة.
وتحتضن ورش العمل التي يتضمنها المهرجان فرصةً للتعرف على آلات الأساسية كالعود والكمنجة والدربوكة، مما يحوّل التجربة من مجرد استماع سلبي إلى انخراط حيّ في عالم هذا الفن وأسراره.
وبينما يواصل المغرب الاستثمار في هذا التراث عبر الجمعيات والمعاهد والمهرجانات، يبقى التحدي الجوهري هو ضمان انتقاله إلى الأجيال الجديدة بوصفه ممارسة حيّة لا أثرا متحفيا، فالأندلسيات لا تُحفظ في الكتب وحدها؛ إنها تعيش في التنفس الجماعي للفرقة، وفي الثقل الصوتي لمدّة واحدة مُغنّاة في الليل المتأخر.
ويشكل حضور المغرب ضيف شرف في 'الأندلسيات' بباريس رهان على المستقبل، وتأكيد بأن ألحاناً وُلدت على ضفاف الوادي الكبير قادرة، بعد كل هذه القرون، على أن تملأ قاعات معهد العالم العربي بما يشبه الإعلان: نحن هنا، وستظل الأندلسيات حيّة.