حين تتحوّل الضفيرة إلى ذاكرة سردية في 'طقس الجديلة'
أبوظبي - في منطقة بعيدة من السرد، حيث تختلط الذاكرة بالأسطورة، ويصير ما لم يُقل أكثر حضورًا مما قيل، تخرج مجموعة "طقس الجديلة" للكاتبة المصرية عايدة محجوب بوصفها محاولة للإنصات لا للحكي، وللكشف لا للسرد التقليدي. إنها كتابة تنحاز إلى الهامش، وتقترب من ذلك الجزء الصامت في الحكاية، حيث تقيم نساء البادية في ظل أعراف تحفظهن بقدر ما تُخفيهن.
لا تبدأ الحكاية من حدث، بل من أثر.
جديلة شعر مقصوصة، مخبأة في صندوق مدفون، يعثر عليها "رحيل"، الشاب البدوي وخريج علم الآثار، في لحظة تبدو عابرة، لكنها تفتح بابًا على تاريخ غير مكتوب. هنا، لا يعود ''رحيل'' مجرد منقّب عن آثار، بل قارئ لطبقات إنسانية متراكمة، يحاول أن يفك شفرة ما تركته النساء خلفهن، لا ما قلنَه.
الجديلة، في هذا العمل، ليست زينة، بل علامة. علامة على شيء حدث. على قرار مؤلم. على فقد أو تمرد أو انكسار. فأن تقص المرأة ضفيرتها في مجتمع بدوي، ليس فعلاً عاديًا، بل حدثًا جللاً، يستدعي حكاية، أو ربما سلسلة من الحكايات. ومن هنا تتحول الضفيرة إلى بنية سردية، تتشابك خيوطها كما تتشابك القصص، بحيث تصبح كل حكاية خيطًا لا يكتمل المعنى بدونه.
يمضي ''رحيل'' في رحلته، لكنه لا يقتحم العالم، بل يطرقه بحذر.
يعرف أن هناك حدودًا لا تُكسر، وأصواتًا لا تُستدعى إلا بشروطها. لذلك، تمر الحكايات عبر وسيط مأمون: الأم، التي تمثل بوابة خفية إلى عالم النساء، وامتدادًا لذاكرة شفاهية تعرف كيف تحفظ، ومتى تروي.
قصص المجموعة -الصادرة عن سلسلة روايات بمجموعة كلمات للنشر في الإمارات العربية المتحدة- لا تتوالى بوصفها اعترافات، بل كشذرات من حياة كاملة. نساء يواجهن ختان الجسد، وزواجًا مبكرًا، وفقدًا لا يُعزى، واختيارات مفروضة، وأبناء يختفون كما لو أنهم لم يكونوا. حكايات لا تسعى إلى إثارة التعاطف، بقدر ما تكشف بنية الألم، وتعيد صياغته داخل سرد يسمح له بأن يُرى.
ولا تقدّم المجموعة بطلًا بالمعنى المألوف، بل تضعنا أمام وسيط يدرك هشاشته.
رحيل لا يتحدث باسم النساء، ولا يدّعي امتلاك الحقيقة، بل يفسح المجال لصوتٍ كان مؤجلًا، مستعينًا بأدواته كمنقّب يعرف أن ما يُدفن، سواء في الأرض أو في الذاكرة، لا يُخفى عبثًا.
في خلفية هذا العالم، تحضر “الحاجة مبروكة” كجذر سردي جامع، امرأة تتقاطع عندها الحكايات، وتعود إليها الخيوط، بينما تظل “الرُقية” التي ترددها في لحظات الشدة أشبه بخيط خفي يربط بين الألم والنجاة، بين الخوف والإيمان، بين الموروث وما تبقى منه في الوجدان.
"طقس الجديلة" ليست مجرد مجموعة قصصية، بل محاولة لإعادة ترتيب العلاقة بين الحكاية وصاحبها. من يملك أن يروي؟ ومن يملك أن يصمت؟ وكيف يمكن لذاكرة مثقلة بالخوف أن تتحول إلى نص، دون أن تفقد هشاشتها أو صدقها؟
في هذا العمل، لا تُستعاد الحكايات بقدر ما يُعاد الإنصات إليها. وكأن الكتابة هنا لا تقول: "هذه قصص النساء"، بل تهمس: ''هذا ما تبقّى منهن في الذاكرة''.
يُذكر أن عايدة محجوب كاتبة وصحفية مصرية، درست الإعلام بجامعة القاهرة، كما درست الصحة النفسية والإرشاد الأسري بجامعة عين شمس. وتهتم "محجوب" في كتاباتها بقضايا المجتمع والهوامش المسكوت عنها، لا سيما ما يتعلق بتجارب النساء والذاكرة الشعبية.
تمتلك خبرة مهنية تمتد لأكثر من 15 عامًا في مجالات الصحافة المكتوبة والإعداد الإذاعي، حيث قدّمت محتوى يجمع بين المهنية الصحفية والبعد الإنساني، مع اهتمام خاص. واتجهت في تجربتها السردية إلى توظيف التراث الشعبي والذاكرة الجمعية في أعمالها، مع معالجة قضايا إنسانية شائكة مثل الصمت الاجتماعي، والهوية، وتجارب النساء في البيئات المغلقة. وتُعد مجموعتها القصصية “طقس الجديلة” امتدادًا لهذا المسار، إذ تعكس انشغالها بتفكيك البُنى الثقافية وإعادة قراءة الحكايات من منظور إنساني معاصر.
وتهتم عايدة محجوب بالربط بين الصحافة والسرد، وتسعى من خلال أعمالها إلى خلق مساحة توازن بين التوثيق والخيال، وبين الواقع المعاش والتأويل الأدبي، بما يمنح صوتًا للفئات التي لم تُتح لها فرصة الحكي.