فتنة 'نظام الطيبات' تجتاح تونس و'الصحة' تتدخّل لوقف النزيف!
اجتاحت تونس مؤخراً موجة من ''الهذيان الغذائي'' الذي لم يقف عند حدود الشاشات الزرقاء، بل تسلل إلى عمق البيوت التونسية وصولا إلى المستشفيات، متمثلا فيما يُعرف بـ "نظام الطيبات" الذي وضعه الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي. نظام تجاوز كونه مجرد حمية غذائية قابلة للنقد والتنسيب، ليتحوّل إلى "عقيدة" طبية زائفة، استطاعت في وقت وجيز أن تجتذب آلاف التونسيين نحو فخٍّ محكم من التضليل، مهددة بذلك ركائز السلم الصحي الذي بُني عبر عقود من التحديث والتعليم.
تناقضٌ صارخ وجوعٌ مقنّع
يقوم هذا النظام المثير للجدل، على تصنيف تعسفي للأطعمة ينقسم إلى "طيبات" و"خبائث"، في قطيعة تامة مع أبجديات علم التغذية الحديث.
فبينما يمنع "نظام الطيبات" ما استقرّ العلم على نفعِه (مثل البقوليات والخضروات الورقية والغلال والبيض وزيت الزيتون) بدعوى أنها تسبب "ارتشاح الأمعاء"، نراه يبيح بشكل صادم الحلويات المصنّعة والمشروبات الغازية والأرز الأبيض المنزوع القشرة والخبز الأبيض "اللبابة"، معتبراً إياها أغذية سهلة الامتصاص لا تُرهق الجهاز الهضمي.
هذا التناقض الصارخ الذي يرفع من شأن "المصنّع" على حساب "الطبيعي" يمثل خطراً داهما؛ إذ يحرم الجسم من الألياف والبروتينات الكاملة والدهون الصحية، ويُدخل المريض في حلقة مفرغة من سوء التغذية المقنّع الذي يُخفي خلفه كوارث صحية قد لا تظهر إلا بعد فوات الأوان.
ردّةٌ فكرية ومظلومية "الطبيب المغدور"
لم يكن غريبا أن يجد هذا النظام موطئ قدم في تونس، فما تزال رواسب "الخرافة" تترصد بالوعي الجمعي لتنقضّ عليه في لحظات الضعف، كما هو الحال في أغلب الدول العربية.
لقد انقاد الآلاف خلف سردية تقلب الفطرة السليمة رأسا على عقب؛ فبينما يحرّم النظام أعمدة المطبخ التونسي الأصيل المتميّز بتنوّعه وتلوّن أطباقه، يبيح في المقابل السموم المصنعة. إن هذا الاستلاب الفكري الذي وصفته بعض الأقلام التونسية بـ "عشق الرعْونة"، يعكس رغبة دفينة في الانعتاق من "سلطة العلم" والارتماء في أحضان "دجلٍ" يرتدي ثوب المعجزة، حتى إن وفاة صاحب هذا النظام تحوّلت في أذهان الأتباع إلى أسطورة مأساوية تُغذّي نظرية ''المؤامرة العالمية''.
كما يكمن سرّ الانتشار المرعب لهذا النظام في تونس، في "تلفيقه" البارع لمفاهيم تبدو ذات مرجعية دينية؛ فاسم "الطيبات" لم يُختر عبثا، بل هو استدعاءٌ ذكي لمصطلحات قرآنية تُضفي على النصيحة الغذائية صبغةً "قدسية" تجعل نقدها يبدو وكأنه نقد للثوابت.
وقد تأجج هذا الوهج العاطفي بشكل انفجاري بعد وفاة الدكتور ضياء العوضي، حيث لم يرَ فيه أتباعه مجرد طبيب رحل، بل "شهيدا" اغتالته "مافيا الأدوية" لأنه كشف أسرارهم... غذّت هذه المظلومية نظرية المؤامرة في الوجدان الشعبي، فصار الدفاع عن النظام نوعا من "الجهاد" ضد المنظومة الطبية الرسمية، مما جعل الناس يستميتون في الدفاع عن الخرافة هربا من "مؤامرة" متوهمة.
سماسرة المحتوى..
في خضم هذا الصخب، انقسم "صناع المحتوى" في تونس إلى معسكرين لا يلتقيان؛ معسكر "السماسرة" الذين استثمروا في الجهل لرفع نسب المشاهدة، فصاروا أبواقاً تروّج لقصص شفاء خيالية وتحرّض الناس على التمرد ضد الأطباء والصيادلة، أو على الأقل تشكّك في علمهم. إحدى ''المؤثرات'' اللاتي يتابعها أكثر من مليون متابع أكدت اتباعها لهذا النظام ونجاحها في تخفيض الوزن بسرعة لافتة، لكنها في الآن ذاته أكدت أنها ''لا تستهلك السكر والمُحلّيات المباحة لأنها لا تحبّها'' تاركة حرّية الاختيار في ذلك لمتابعيها.
وفي الجهة المقابلة، ظهرت بعض الأصوات المؤثّرة المحذّرة من عواقب هذا النظام وخطورته، ولم ينج هؤلاء من الشتائم والتشكيك. كما انتفض المختصون في معركة استعادة الوعي، حيث أطلق أطباء تونس صيحات فزع محذرين من أن الراحة الظرفية التي قد يشعر بها البعض ليست إلا وهما ناتجا عن حذف الألياف، وأن مآل هذا الطريق هو "نحر" المناعة الجسدية وإدخال الجسم في نفق مظلم من فقر الدم الحاد ونقص المغذيات الحيوية.
استغاثة طبية !
تجاوز هذا العبثُ حدود النقاش النظري ليصطدم بالواقع المرير في غرف الاستعجالي؛ حيث كشفت طبيبة تونسية عن مأساة مريضة سكري كانت قاب قوسين أو أدنى من الموت، بعد أن قذفت بأدويتها بعيداً استجابةً لـ "فتوى" غذائية رعناء. الطبيبة أكدت في فيديو نشرته عبر وسائل التواصل، أنها صُدمت بوضعية مريضتها الصحية وهي التي تتناول جرعات ''انسولين'' يومية ومنتظمة منذ 30 سنة ولم تعرف أبدا أزمة مماثلة، في حين تدهور وضعها الصحي بعد أربعة أيام فقط من اتباعها هذا النظام.
وأمام هذا الانفلات، لم يكن لوزارة الصحة التونسية إلا أن تتدخل ببيانٍ حاسم اليوم 7 مايو/آذار 2026، محذّرة من أن الأنظمة "الفيسبوكية" لا يمكن أن تحل محل الطبيب، ومشددةً على أن التغذية السليمة هي تلك التي تحفظ للجسم توازنه، لا تلك التي تفرغه من قيمته الصحية لصالح أوهام لا تصمد أمام العلم.
ودعت الوزارة المواطنين ''إلى استقاء المعلومات الصحية من مصادر موثوقة، واستشارة مهنيي الصحة قبل اتخاذ أي قرار قد يؤثر على علاجهم أو سلامتهم، مؤكّدة على أن أنه لايمكن تغيير النظام الغذائي أو العلاجي دون استشارة طبية للحفاظ على الصحّة''.
يبدو أن برنامج العوضي الغذائي جرس إنذار يكشف هشاشة الحصانة العلمية أمام سطوة الخطاب العاطفي والمقدّس الزائف. إن المعركة اليوم تتجاوز الخلاف حول "طبق طعام"، هي مواجهة وجودية بين منطق الدولة والمؤسسات العلمية، وبين تيار "الشعبوية الطبية" الذي يقتات على الأزمات ونظريات المؤامرة.