مظاهرات حاشدة تفوض المجلس الانتقالي ممثلا لشعب الجنوب
حضرموت (اليمن) – تشهد مدن يمنية جنوبية مظاهرات حاشدة في الذكرى التاسعة لتأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي بدأت في عدن والمكلا والخميس في سيئون مركز وادي حضرموت، وأخرى في محافظة أرخبيل سقطرى على المحيط الهندي، في حراك يعكس استمرار الزخم الشعبي للقضية الجنوبية وحضورها القوي في المشهد السياسي اليمني.
ورفع المشاركون في التظاهرات أعلام الجنوب وشعارات داعمة للمجلس الانتقالي، مؤكدين تمسكهم بما يعتبرونه "حق الجنوبيين في تقرير مستقبلهم السياسي"، وسط دعوات لإيجاد حل سياسي للقضية الجنوبية يراعي تطلعات أبناء الجنوب ومصالحهم.
وجاءت المظاهرات بمثابة مقياس سياسي وشعبي للمجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يسعى منذ تأسيسه عام 2017 إلى ترسيخ نفسه ممثلا رئيسيا للقضية الجنوبية في أي مفاوضات أو تسوية سياسية تخص مستقبل اليمن.
وشهدت مدينة عدن، التي تعد المعقل الرئيسي للمجلس الانتقالي، أكبر التجمعات الجماهيرية، بينما حملت التظاهرات في المكلا وسيئون وسقطرى رسائل سياسية مهمة، خاصة في المناطق التي تشهد تنافسا على النفوذ بين قوى محلية وإقليمية مختلفة.
ويرى مراقبون أن اتساع رقعة المظاهرات يعكس قدرة المجلس الانتقالي على الحفاظ على قاعدة شعبية مؤثرة، رغم التحديات الاقتصادية والخدمية التي تعاني منها المحافظات الجنوبية.
أكدت الشعارات والهتافات التي رُفعت خلال الفعاليات أن القضية الجنوبية لا تزال تمثل أحد أبرز الملفات المعقدة في الأزمة اليمنية، وأن قطاعا واسعا من الجنوبيين يرفض العودة إلى ما قبل عام 1990، حين كان الجنوب دولة مستقلة.
ويطالب أنصار المجلس الانتقالي بإيجاد تسوية سياسية تضمن "استعادة الدولة الجنوبية" أو على الأقل منح الجنوب وضعا سياسيا وإداريا خاصا ضمن أي ترتيبات مستقبلية. كما شدد المشاركون على ضرورة تمثيل الجنوب بصورة مستقلة في أي مفاوضات سلام، معتبرين أن تجاهل القضية الجنوبية قد يقوض أي تسوية سياسية شاملة في اليمن وأن استمرار إدارة الجنوب من خلال السلطة المركزية لم يحقق الاستقرار أو التنمية.
ويرى المجلس الانتقالي أن الاحتجاجات تعكس "رفض الشارع الجنوبي للتهميش"، وأنها تعبر عن تنامي المطالب الشعبية بإعادة ترتيب المشهد السياسي بما يمنح الجنوبيين دورا أكبر في إدارة مناطقهم.
وقال المجلس في بيان عقب مظاهرة المكلا ونشره موقعه الإلكتروني إن هذه "الجماهير تجدد الثقة برئيس المجلس عيدروس الزبيدي وتفويضه حتى تحقيق تطلعات شعبنا في استعادة دولته الجنوبية".
وشدد البيان على "التمسك" "بالثوابت الوطنية الجنوبية، وفي مقدمتها حق تقرير المصير، ورفض أي تسويات لا تلبي تطلعات شعبنا". وتابع "القوات المسلحة الجنوبية خط أحمر، ونرفض أي محاولات لإضعافها أو تفكيكها، ونعلن رفضنا واستنكارنا لمساعي تفكيك قوات النخبة الحضرمية واستباحة حضرموت بقوات يمنية"، في إشارة إلى رفض جهود توحيد التشكيلات العسكرية في إطار وزارتي الدفاع والداخلية.
وكان الانتقالي أقرّ الاحتفال المركزي بذكرى تأسيسه من خلال فعاليتين، الأولى في عدن في الرابع من مايو/أيار، والأخرى في حضرموت في الخامس منه، بالإضافة إلى تظاهرة في المهرة الأربعاء، ومثلها في أرخبيل سقطرى ووادي حضرموت، الخميس.
واكتسبت التظاهرات في حضرموت وسقطرى أهمية خاصة، نظرا للحساسية السياسية والاستراتيجية لهاتين المنطقتين. فحضرموت، أكبر المحافظات اليمنية، تشهد تنافسا بين قوى سياسية وعسكرية متعددة، بينما تمثل سقطرى موقعا استراتيجيا مهما في المحيط الهندي وباب المندب.
ويرى محللون أن مشاركة هذه المناطق في فعاليات الذكرى تعكس سعي المجلس الانتقالي إلى توسيع نفوذه السياسي والجماهيري خارج عدن والمحافظات التقليدية المؤيدة له.
وسبق تنظيم التظاهرة في المكلا انتشار مكثف لقوات الجيش والشرطة في مختلف أنحاء المدينة في ظل حالة من الترقب. وما لبث أن قابلت القوات الحكومية المتظاهرين بالقوة، حيث قتل 3 محتجين من أبناء حضرموت وجرح عدد أخر بالرصاص خلال تفريقها تظاهرة سلمية لأنصار المجلس الانتقالي في مدينة المكلا عاصمة المحافظة.
وقال ناشطون جنوبيون إن القوات الأمنية الحكومية التابعة للمجلس الرئاسي أطلقت الرصاص الحي على محتجين سلميين دعوا إلى الاحتجاج بالمدينة للتأكيد على كسر الوصاية وفرض الإرادة ودعما للمجلس الانتقالي الجنوبي. وأكدوا أن هذه القوات منعت المئات من الوصول إلى المكلا وأغلقت الطرقات وقامت بقمع المحتجين من أبناء المدينة.
ويرى متابعون أن اللجوء إلى القوة قد يؤدي إلى زيادة الاحتقان الشعبي بدلا من احتواء الأزمة، خاصة في ظل تدهور الظروف المعيشية وارتفاع منسوب التوتر السياسي. كما يخشى كثيرون من أن يؤدي استمرار التصعيد إلى توسيع الفجوة بين المجلس الانتقالي وبعض الأطراف داخل المجلس الرئاسي، الأمر الذي قد يضعف معسكر الشرعية في مواجهة الحوثيين.
لذلك سارعت السلطة القائمة في حضرموت الى احتواء هذه المظاهرات بمبادرة سياسية، حيث عقد لقاء موسع الخميس، لبحث إنشاء كيان جامع يضم مختلف القوى والمكونات.
ووفق بيان للسلطة المحلية بالمحافظة، انعقد اللقاء في مدينة المكلا برئاسة عضو مجلس القيادة الرئاسي والمحافظ سالم أحمد الخنبشي، وحضور وكيله حسن الجيلاني، وأعضاء مجلسي النواب والشورى بالمحافظة، ومديري عموم المديريات، وقيادات وممثلي الأحزاب والمكونات السياسية والمجتمعية، إلى جانب ممثلين عن المرأة والشباب.
وأفاد البيان بأن اللقاء استعرض مسودة مشروع "تأسيس المجلس التنسيقي الأعلى للقوى والمكونات الحضرمية".
وخلال اللقاء الموسع قال الخنبشي في كلمة، "إن اللقاء يأتي انطلاقا من المسؤولية الوطنية والتاريخية تجاه حضرموت، وإيمانًا بأهمية توحيد الصف الحضرمي سياسيًا ومجتمعيًا ومدنيًا، وبما يسهم في بلورة رؤية حضرمية جامعة تعبر عن تطلعات أبناء المحافظة، وتعزز مسارات الأمن والاستقرار والتنمية والحكم الرشيد".
والخنبشي نبه إلى أن المجلس التنسيقي المقترح لا يهدف إلى أن يكون بديلًا عن الأحزاب أو المكونات السياسية والمجتمعية، وإنما إطارا جامعا لتوحيد الرؤى وتنسيق الجهود، بما يتواءم مع متطلبات المرحلة الراهنة.
وشدد على أهمية الاستفادة من التجارب والمبادرات السابقة والبناء عليها، وصولًا إلى كيان حضرمي جامع يستوعب مختلف القوى والفعاليات في الداخل والخارج، مع ضمان حضور فاعل للشباب والمرأة في مختلف مسارات العمل.