تدمر تنهض من رمادها لتضيء بينالي البندقية

من بين أطلال التاريخ، تعود بالميرا لتروي حكاية الإنسان السوري، وتحوّل الذاكرة إلى حضور فني نابض بالحياة.

روما – افتتحت سوريا جناحها في الدورة الحادية والستين من بينالي البندقية، بمشاركة مشروع فني بعنوان 'مدفن تدمر البرجي' للفنانة سارة شمة، في خطوة تحمل أبعادا حضارية وثقافية تتجاوز حدود الفن.

وأكد وزير الثقافة محمد ياسين الصالح خلال الافتتاح أن مشاركة سوريا تعكس حضورها الثقافي والفني على الساحة الدولية رغم التحديات، مشيرًا إلى أن مدينة البندقية شكّلت عبر التاريخ جسرًا للتواصل بين الشعوب والثقافات، تمامًا كما فعلت مدينة تدمر في العصور القديمة.

وتعد تدمر، الواقعة في قلب البادية السورية، واحدة من أبرز المدن الأثرية في العالم، وقد أدرجتها منظمة اليونسكو على قائمة التراث العالمي عام 1980.

واشتهرت المدينة بكونها ملتقى طرق التجارة بين الشرق والغرب، حيث كانت القوافل القادمة من الهند وفارس والصين تمر عبرها في طريقها إلى البحر المتوسط. هذا الموقع الاستراتيجي جعلها مركزًا اقتصاديًا وثقافيًا مزدهرًا، وترك بصمات معمارية وفنية لا تزال شاهدة حتى اليوم.

وجسدت  الملكة زنوبيا، التي حكمت تدمر في القرن الثالث الميلادي، روح المدينة المتمردة والطموحة، إذ تحدّت الإمبراطورية الرومانية وسعت لتوسيع نفوذها في المنطقة. كما ارتبط اسم تدمر بأعلام بارزين في التاريخ مثل المهندس أبولودور الدمشقي والفقيه بابنيان السوري، الذين تركوا أثرًا في الحضارة العالمية. هذه الخلفية التاريخية تمنح مشروع "مدفن تدمر البرجي" بعدًا إنسانيا يتجاوز حدود الفن المعاصر.

ويعيد المشروع الفني الذي تقدمه سوريا في بينالي البندقية، تخيّل الأبراج الجنائزية التدمرية، وهي من أبرز معالم المدينة الأثرية. الأبراج كانت تُستخدم كمقابر عائلية، وتتميز بتصميم معماري فريد يجمع بين البساطة والرمزية.

وأوضحت الفنانة سارة شمة، أن العمل يتيح للزائر الدخول في تجربة حسية وبصرية، حيث يحيط الفضاء الداخلي بلوحات كبيرة الحجم مرتبة ضمن طبقات دائرية متواصلة تستلهم الصور الجنائزية التدمرية، فيما تنتمي الشخصيات المرسومة بوضوح إلى الحاضر، لتتبادل النظرات مع المشاهد مباشرة في محاولة لإلغاء المسافة بين الماضي والحاضر.

و أكدت أن المشروع يقوم على إعادة صياغة العلاقة بين التاريخ والذاكرة والتجربة الإنسانية، مضيفة: "العمل يهدف إلى تحويل الذاكرة من فكرة مرتبطة بالماضي إلى حضور حيّ ومتجدد عبر الفن".

وأشارت إلى أن تدمر كانت عبر التاريخ واحدة من أهم مراكز التلاقي الثقافي في العالم القديم، وهو ما يمنح المشروع بعدًا إنسانيًا يتجاوز المكان والزمان.

وشهد الجناح السوري توافدا واسعا من الزوار والمهتمين بالفنون المعاصرة والتراث الثقافي، وسط اهتمام لافت بالتجربة الفنية التي تعيد تقديم تدمر بوصفها رمزا عالميا للذاكرة والاستمرارية الإنسانية.

وكان  الحضور الإعلامي بارزا أيضا، حيث سلطت وسائل الإعلام الضوء على المشروع باعتباره محاولة لإحياء التراث السوري في فضاء عالمي، وإعادة تقديم تدمر كرمز للهوية الثقافية المشتركة.

ويُعد بينالي البندقية أحد أبرز الأحداث الفنية العالمية، يجمع الفنانين والمهتمين بالفنون من مختلف أنحاء العالم، ويُقام كل عامين في مدينة البندقية الإيطالية. ومنذ تأسيسه عام 1895، أصبح منصة عالمية لعرض أحدث الاتجاهات الفنية، ومكانًا للتفاعل الثقافي بين الشعوب.

وتعكس مشاركة سوريا في هذا الحدث رغبتها في الحفاظ على حضورها الثقافي رغم الظروف الصعبة، وتؤكد أن الفن يظل وسيلة للتواصل وإعادة بناء الجسور بين الأمم.