حملة اعتقالات لا تهدأ بحق مشتبه بانتمائهم لمنظمة غولن
ستوكهولم/أنقرة - تواصل السلطات التركية حملتها الأمنية والقضائية الواسعة بحق المشتبه بارتباطهم بحركة الداعية الراحل فتح الله غولن، في مؤشر على أن ملف الجماعة لا يزال يحتل موقعاً مركزياً في الحسابات السياسية والأمنية للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، حتى بعد مرور نحو عقد على محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016.
وفي أحدث فصول هذه الحملة، اعتقلت السلطات التركية 32 شخصاً في عمليتين أمنيتين متزامنتين شملتا عدة محافظات، وفق ما أورده مركز ستوكهولم للحرية، ففي ولاية ملاطية، نفذت الشرطة مداهمات واسعة أسفرت عن توقيف 23 شخصاً في 17 محافظة، من بينها إسطنبول وأنقرة وإزمير، للاشتباه في تورطهم بأنشطة مرتبطة بحركة غولن.
وفي عملية منفصلة بمدينة إزمير، أوقفت السلطات تسعة أشخاص سبق أن صدرت بحقهم إدانات بتهمة الانتماء إلى 'منظمة إرهابية'، قبل الإفراج عنهم مؤقتاً بانتظار نتائج الاستئناف.
وتعكس هذه الاعتقالات استمرار المقاربة الأمنية التركية تجاه الحركة التي تصنفها أنقرة تنظيماً إرهابياً، رغم تصاعد الانتقادات الحقوقية الأوروبية والدولية لآليات الملاحقة القضائية المستخدمة منذ سنوات، خصوصاً ما يتعلق بالاعتماد على تطبيق "باي لوك" المشفر كدليل إدانة رئيسي.
وقد استندت السلطات التركية في كثير من الملفات إلى استخدام تطبيق "باي لوك" باعتباره وسيلة اتصال سرية لأنصار غولن، رغم أن التطبيق كان متاحاً بشكل علني عبر متجري أبل وغوغل بلاي. وتزايد الجدل القانوني حول هذه المسألة بعد الحكم الصادر عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان عام 2023 في قضية "يوكسل يالتشينكايا ضد تركيا"، والذي اعتبر أن مجرد استخدام التطبيق لا يشكل دليلاً كافياً على الانتماء إلى تنظيم تصنفه السلطات "إرهابيا".
لكن هذا الحكم الأوروبي لم ينعكس عملياً على وتيرة الملاحقات داخل تركيا، حيث تبدو السلطات متمسكة بخطاب يعتبر الحركة تهديداً دائماً لأمن الدولة ومؤسساتها. ويرى مراقبون أن الحكومة التركية تنظر إلى ملف غولن باعتباره أحد أهم مرتكزات شرعيتها الأمنية والسياسية منذ محاولة الانقلاب، وهو ما يفسر استمرار الاعتقالات حتى بعد وفاة غولن عام 2024.
وتعود جذور الصدام بين أردوغان والحركة إلى تحقيقات الفساد التي تفجرت أواخر عام 2013 وطالت شخصيات مقربة من الرئيس التركي وأفراداً من عائلته. واتهم أردوغان حينها جماعة غولن بالتغلغل داخل أجهزة الدولة وبتدبير "مؤامرة قضائية" ضده، قبل أن يتحول الخلاف لاحقاً إلى مواجهة مفتوحة بلغت ذروتها عقب محاولة الانقلاب في يوليو/تموز 2016، التي حمّلت أنقرة مسؤوليتها لغولن وأنصاره، بينما نفت الحركة أي صلة لها بها.
وتكشف الأرقام الرسمية حجم الحملة المستمرة منذ ذلك التاريخ، إذ تشير بيانات وزارة العدل التركية إلى إدانة أكثر من 126 ألف شخص بتهم تتعلق بالارتباط بالحركة، فيما لا يزال أكثر من 11 ألفاً قيد الاحتجاز، إلى جانب استمرار ملاحقات وتحقيقات تشمل عشرات الآلاف الآخرين.
ويرى محللون أن استمرار هذه الاعتقالات يحمل أبعاداً تتجاوز الجانب الأمني، إذ تستخدم الحكومة التركية الملف أيضاً لتعزيز قبضتها الداخلية وإبقاء مؤسسات الدولة تحت رقابة مشددة، في ظل مخاوف رسمية من عودة أي شبكات معارضة منظمة داخل الجيش أو القضاء أو الإدارة.
وفي المقابل، تحذر منظمات حقوقية من أن اتساع دائرة الاتهامات وتواصل المحاكمات الجماعية يقوضان استقلال القضاء ويعمقان أزمة حقوق الإنسان في تركيا، بينما يواصل آلاف الأتراك المقيمين بالخارج حياتهم في المنفى، هرباً من ملاحقات لا تبدو نهايتها قريبة، في مشهد يشبه نهرًا سياسياً متجمداً، تتغير ضفافه لكن مياهه لا تتوقف عن الجريان.