معتصم النهار يراهن على مصر

الممثل السوري يواصل رحلته الفنية بين دمشق والقاهرة، بثلاثة أعمال كبرى تجمع السينما والدراما، ليؤكد حضوره العربي المتنوع والمستمر.

القاهرة — في مدينة لا تنام، وصناعة سينمائية لا تهدأ، يجد معتصم النهار نفسه اليوم في قلب المشهد تماما، حيث يخوض الممثل السوري الذي شكّلت الدراما الشامية هويته الفنية لسنوات رهانا مختلفا في القاهرة بثلاثة أعمال كبرى في آنٍ واحد، بين السينما والتلفزيون، في سوق يُعدّ الأكثر تأثيراً وتنافسية في العالم العربي.

ولا يبحث الفنان عن توسع جغرافي في مسيرته بل يعيد بناء هويته الفنية من الداخل، مستعينا بخبرة درامية سورية متجذرة، ومتسلحاً بطموح يرفض الاكتفاء بما تحقق.

 وكانت البداية السينمائية بفيلم 'نصيب'، الذي أنهى النهار تصوير مشاهده مؤخرا، يمثّل أول اختبار حقيقي له على الشاشة الكبيرة أمام جمهور مصري لم يتعرف عليه بعد بوصفه نجماً سينمائياً.

العمل، الذي كتبه أحمد عبد الفتاح وأخرجه أحمد خالد أمين، يقدّم قصة اجتماعية رومانسية تتشابك فيها خيوط إنسانية معاصرة، ويجمع النهار بنخبة من الوجوه المصرية المؤثرة منهم ياسمين صبري، وخالد سرحان، ورحمة أحمد.

الحضور في هذه التشكيلة تحديداً له دلالة للفنان السوري، فالمشاركة مع نجوم من هذا الوزن لا تعني فقط الاعتراف بكفاءته، بل تضعه في موضع المنافس لا الضيف، وهو موضع يختلف جذريا عن دور 'النجم العربي الزائر' الذي يكتفي بالهامش.

وللسينما المصرية منطقها الخاص ومزاجها المختلف عن الدراما التلفزيونية السورية،  فالإيقاع مغاير، وطريقة بناء الشخصية مختلفة، واللهجة تحمل ثقلها الخاص في عيون الجمهور المصري الذي لا يمنح ثقته بسهولة. كل هذا يجعل 'نصيب' امتحان لمعتصم.

 وعلى جبهة الدراما  التلفزيونية، يخطو النهار خطوة لا تقل جرأة، حيث مسلسل 'أنا إنت.. إنت مش أنا' يضعه في موقع البطولة لأول مرة على الشاشة المصرية، في عمل يمزج بين الكوميديا والدراما الاجتماعية، وهو مزيج يحتاج إلى توازن دقيق لا يتقنه كل ممثل.

العمل الذي تقف وراءه فكرة كريم أبوزيد، وكتبه أحمد محمود أبوزيد بمشاركة أحمد دعية، وأخرجه هشام الرشيدي، يجمع النهار لأول مرة بالفنانة ميرنا نور الدين، في تشكيلة تضم أيضاً مصطفى أبو سريع وحسن أبو الروس والشحات مبروك.

وتختلف البطولة الدرامية المصرية في طبيعتها عن الأدوار التي اعتادها النهار في الشام، فجمهور الدراما المصرية يتعامل مع النجوم بألفة تاريخية، وله توقعات محددة لا يسهل تجاوزها. تقديم أداء كوميدي اجتماعي أمام هذا الجمهور تحديدا يستوجب شجاعة فنية حقيقية، لأن الكوميديا كاشفة لا ترحم من لا يحكم أدواته.

ويأتي العمل الثالث 'حين يكتب الحب' بمعادلة مغايرة حيث يضع الفيلم الذي كتبته سجى محمد الخليفات وأخرجه محمد هاني، معتصم  النهار في سياق سينمائي أكثر ثقلا، إذ يتشارك البطولة مع أحمد الفيشاوي، وسوسن بدر، وجميلة عوض، وشيري عادل، ومحسن محيي الدين.

وتعني هذه الأسماء أن الفيلم يرتكز على نسيج فني متماسك، وأن كل ممثل فيه مُحاسَب على حضوره لا على مجرد وجوده، والقصة الرومانسية الإنسانية التي يحكيها الفيلم، بما تحمله من صراعات عاطفية، تستدعي من النهار أن يُبرز جانباً مختلفاً من أدواته: العمق الانفعالي الهادئ بدل الكاريزما الصاخبة.

لفهم ما يفعله النهار اليوم، لا بد من استحضار ما قبله، فالفنان الذي عرفه الجمهور العربي عبر 'خاتون' و'باب الحارة'، أثبت عبر سنوات قدرته على تجسيد الشخصيات المركّبة التي تحمل في طياتها أكثر من طبقة درامية. والدراما السورية بتقاليدها الصارمة في الحرفة وعمق النص، كانت مدرسة قاسية أعطت خريجيها مرونة نادرة.

هذه المرونة هي ما يراهن عليه النهار في القاهرة. فهو لا يأتي إلى السوق المصرية باحثاً عن أي دور، بل يختار بعناية ما يضعه في مواجهة تحديات حقيقية: أعمال متنوعة، ومخرجون ذوو رؤية، وزملاء يرفعون سقف الأداء.

ثلاثة أعمال في وقت واحد قد يبدو مغامرة، لكنه في الواقع استراتيجية محسوبة. التنوع بين السينما والدراما يحميه من خطر التصنيف المبكر في قالب واحد، وهو خطر يتربص بكل ممثل يدخل سوقا جديدا، كما أن التعاون مع نجوم مصريين من الصف الأول يمنحه مصداقية سريعة لدى جمهور يقيس الجودة جزئياً بمعيار من تقف بجانبه.

في نهاية المطاف، يطرح مشروع النهار المصري سؤالاً أوسع عما يمكن أن يفعله الممثل العربي حين يقرر تجاوز حدود جمهوره التقليدي. مصر لم تكن يوماً سوقاً سهلة؛ لكنها في الوقت ذاته المكان الوحيد الذي يمنحك، إن أثبتت نفسك فيه، جمهوراً لا تحده حدود.

معتصم النهار يعرف ذلك جيدا. ولهذا هو في القاهرة.