دمشق تستعيد علاقاتها التجارية كاملة مع الاتحاد الاوروبي
بروكسال - أعلن المجلس الأوروبي اليوم الاثنين أنه اعتمد قرارا ينهي التعليق الجزئي لاتفاقية التعاون بين اللجنة الاقتصادية الأوروبية وسوريا، ليستعيد بذلك علاقات تجارية كاملة مع سوريا حيث يمثل القرار فرصة للحكومة السورية لتعزيز تعاونها الاقتصادي مع الدول الأوروبية والانخراط في المجتمع الدولي.
وأضاف أن هذا القرار يمثل خطوة مهمة نحو تعزيز العلاقات الثنائية بين الاتحاد الأوروبي وسوريا.
وقال المجلس الأوروبي في بيان إن القرار "يرسل إشارة سياسية واضحة على التزام الاتحاد الأوروبي بإعادة التواصل مع سوريا ودعم تعافيها الاقتصادي".
ويأتي القرار بعد أشهر من اعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب رفع العقوبات الاقتصادية على سوريا إثر لقائه مع الرئيس السوري أحمد الشرع بهدف منح دمشق فرصة للاندماج الإقليمي والدولي.
وفي أبريل/نيسان الماضي اقترحت المفوضية الأوروبية إعادة تفعيل الاتفاقية التجارية المبرمة في 1978، والتي تم تعليقها بسبب انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبها نظام بشار الأسد.
ولا يمثل مقترح المفوضية الأوروبية مجرد إجراء تقني، بل هو إعلان عن نهاية حقبة "القطيعة المطلقة" والبحث عن "خارطة طريق" براغماتية تضمن المصالح الأوروبية في شرق المتوسط، مع متابعة الاستجابة للمطالب الدولية للإصلاح السياسي.
وعكست اللقاءات التي جمعت الرئيس السوري أحمد الشرع بقيادات الاتحاد الأوروبي خلال الأشهر الأخيرة تحولا متدرجا في طبيعة العلاقة بين دمشق وبروكسل، بعد سنوات طويلة من القطيعة السياسية التي فرضتها الحرب السورية والعقوبات الأوروبية على النظام السابق.
وشكلت زيارة رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا إلى دمشق مطلع العام الجاري مؤشرا واضحا على رغبة أوروبية في إعادة فتح قنوات التواصل مع القيادة السورية الجديدة، في ظل متغيرات إقليمية ودولية دفعت العواصم الأوروبية إلى إعادة تقييم مقاربتها للملف السوري.
وجاءت الزيارة ضمن جولة شملت عددا من دول المنطقة، وركزت على بحث مستقبل الاستقرار في سوريا، وسبل دعم مرحلة إعادة الإعمار، إضافة إلى ملفات اللاجئين والتعاون الاقتصادي. كما ناقش الجانبان آليات تعزيز التنسيق السياسي وإعادة دمج سوريا تدريجيا في محيطها الإقليمي والدولي.
وأكد مسؤولون أوروبيون خلال الزيارة أن الاتحاد الأوروبي يسعى إلى "فتح فصل جديد" في علاقته مع دمشق، يقوم على دعم الاستقرار السياسي والاقتصادي وتشجيع مسار التعافي بعد سنوات الحرب. وفي هذا السياق، أعلنت بروكسل حزمة مساعدات مالية جديدة لسوريا تقدر بنحو 620 مليون يورو، مخصصة لبرامج إعادة الإعمار والمساعدات الإنسانية والتنمية.
وتمثل قضية اللاجئين أحد أبرز الملفات التي تحظى باهتمام أوروبي متزايد، إذ تبحث دول الاتحاد عن ترتيبات تتيح عودة تدريجية وآمنة للسوريين الموجودين على أراضيها، بالتوازي مع تحسين الأوضاع الاقتصادية والخدمية داخل سوريا. كما شددت المباحثات على أهمية الحفاظ على وحدة الأراضي السورية وتعزيز الحوار الداخلي بما يدعم الاستقرار على المدى البعيد.
ويرى مراقبون أن الانفتاح الأوروبي على دمشق لا يرتبط فقط بالوضع السوري الداخلي، بل يتصل أيضا باعتبارات أمنية واقتصادية أوسع تشمل أمن المتوسط والطاقة والهجرة غير النظامية. وتزايد هذا الاهتمام مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، خاصة في منطقة الخليج ومضيق هرمز، ما دفع أوروبا إلى توسيع اتصالاتها مع مختلف الأطراف الإقليمية.
وفي هذا الإطار، شارك الرئيس السوري لاحقا في اجتماعات إقليمية تناولت قضايا الطاقة وأمن الملاحة في شرق المتوسط، في خطوة اعتبرها مراقبون دليلا إضافيا على عودة سوريا تدريجيا إلى المشهد الدبلوماسي الإقليمي والدولي.
كما أدى الشرع زيارات لعدد من الدول الأوروبية خاصة فرنسا وألمانيا والتقى عددا من قادتها.
ورغم هذا الانفتاح، لا تزال العلاقات بين دمشق والاتحاد الأوروبي تواجه تحديات معقدة، أبرزها الإصلاحات السياسية وإعادة بناء مؤسسات الدولة. إلا أن التحركات الأخيرة توحي بوجود توجه أوروبي نحو اعتماد سياسة أكثر براغماتية تقوم على الانخراط المباشر مع القيادة السورية الجديدة، بدلا من الاكتفاء بسياسة العزلة.خصوصا مع الحاجة إلى التنسيق مع دمشق لإيجاد حل لمسألة اللاجئين بتهيئة الظروف المناسبة لعودتهم إلى سوريا
وفي هذا الإطار، أكد صندوق النقد الدولي أن النشاط الاقتصادي السوري بدأ يشهد تحسناً مدعوماً بزيادة ثقة المستثمرين والمستهلكين، ورفع بعض القيود الدولية، واستمرار عودة اللاجئين، إلى جانب تحسن إمدادات الكهرباء وإطلاق مشاريع استثمارية جديدة.
ويشير الصندوق إلى أن استمرار عودة اللاجئين أصبح عاملاً مؤثراً في الدورة الاقتصادية السورية، سواء عبر زيادة اليد العاملة أو تنشيط الأسواق المحلية ورفع الطلب على السلع والخدمات، ما يمنح الاقتصاد مؤشرات تعافٍ تدريجي رغم التحديات الكبيرة التي لا تزال تواجه البلاد.
ومن الجانب الأوروبي، فإن ملف اللاجئين بات يمثل أولوية سياسية داخلية، خصوصاً مع صعود التيارات اليمينية في عدد من الدول الأوروبية وتزايد الضغوط الشعبية المرتبطة بالهجرة. لذلك تسعى العواصم الأوروبية إلى ربط أي انفتاح اقتصادي على دمشق بتحقيق قدر من الاستقرار السياسي والأمني يسمح بتهيئة الظروف لعودة تدريجية وآمنة للاجئين.
ويرى مراقبون أن أوروبا تحاول من خلال الدعم الاقتصادي خلق مقاربة جديدة تقوم على "الاستقرار مقابل التنمية"، أي دعم التعافي الاقتصادي والبنية التحتية والخدمات الأساسية بما يخفف من دوافع الهجرة ويقلل الأعباء التي تتحملها الدول الأوروبية المستقبلة للاجئين.
لكن رغم هذه التحركات، لا تزال قضية عودة اللاجئين تواجه تعقيدات عديدة، أبرزها ضعف البنية التحتية، وارتفاع معدلات الفقر، والحاجة إلى إعادة الإعمار، إضافة إلى المخاوف الأمنية والانقسامات السياسية. كما أن العديد من المؤسسات الدولية تؤكد أن العودة الواسعة تحتاج إلى ضمانات اقتصادية ومعيشية حقيقية تتيح للاجئين الاستقرار داخل بلادهم.