التفاهمات بين دمشق وقسد لا تكبح الفوضى الأمنية
الحسكة (سوريا) - قتل جنديان سوريان الاثنين إثر استهداف مجهولين لحافلة تابعة للجيش السوري في ريف الحسكة، في هجوم يعكس حجم الهشاشة الأمنية التي ما تزال تعيشها مناطق شمال شرقي سوريا، في ظل التعثر المستمر لتنفيذ الاتفاق المبرم بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية "قسد" في 29 يناير/كانون الثاني الماضي.
ونقلت وكالة الأنباء السورية "سانا" عن وزارة الدفاع قولها إن اثنين من جنود الجيش السوري قتلا وأصيب عدد آخر إثر استهداف مجهولين حافلة لنقل العسكريين في ريف الحسكة، دون مزيد من التفاصيل.
ويأتي الهجوم بعد مرور أشهر على الاتفاق، في حين تبدو التفاهمات السياسية والأمنية عاجزة عن احتواء التوترات المتصاعدة، ما يفتح المجال أمام مزيد من الاضطرابات الأمنية والهجمات المسلحة.
وكان الاتفاق يهدف إلى تخفيف الاحتقان وفتح مسار للتنسيق الأمني والإداري بين الطرفين، خصوصاً في المناطق ذات الحساسية العسكرية والعرقية، غير أن الخلافات المتعلقة بتقاسم النفوذ، وإدارة المؤسسات الأمنية، ومستقبل الوجود العسكري لـ"قسد"، عطلت تنفيذ العديد من بنوده، الأمر الذي أبقى المنطقة في حالة توتر دائم.
وتنعكس هذه العراقيل بشكل مباشر على الوضع الأمني، إذ تزداد عمليات الاستهداف والاغتيالات والهجمات ضد القوات العسكرية والحواجز الأمنية، في بيئة تعاني أصلاً من تعدد القوى المسلحة وتشابك المصالح الإقليمية والدولية. كما أن غياب التنسيق الكامل بين دمشق و"قسد" يخلق فراغات أمنية تستغلها جماعات مسلحة وخلايا متشددة لتنفيذ هجمات متفرقة تهدد الاستقرار المحلي.
وشهدت مناطق شمال شرقي سوريا خلال الأيام الماضية حالة من التوتر والغضب الشعبي، عقب وصول عشرات القتلى من عناصر قوات سوريا الديمقراطية "قسد" الذين سقطوا خلال المواجهات الأخيرة في محافظتي الرقة ودير الزور والحسكة وسط تصاعد الانتقادات الموجهة لقيادات التنظيم من قبل ذوي الضحايا وشرائح من الشارع الكردي.
وذكر مرصد الحسكة، أن حالة من السخط تسود بين الأهالي الذين حمّلوا قيادات "قسد" مسؤولية الزج بالشباب في مواجهات دامية، معتبرين أن تلك السياسات أدت إلى سقوط المزيد من الضحايا دون تحقيق أي حلول سياسية أو ميدانية تنهي حالة التوتر والانقسام في المنطقة.
وفي المقابل، لا تزال المواقف السياسية والعسكرية في شمال شرق سوريا تشهد تبايناً واسعاً بين الأطراف المختلفة، وسط دعوات شعبية متزايدة لتغليب الحلول السياسية وتجنب المزيد من التصعيد الذي يدفع المدنيون والشباب ثمنه بشكل مباشر.
ويرى مراقبون أن استمرار التعثر في تنفيذ الاتفاق يعمق حالة انعدام الثقة بين الطرفين، خصوصاً مع تبادل الاتهامات بشأن المسؤولية عن التوترات الأمنية، ما ينعكس على قدرة الأجهزة الأمنية على ضبط المناطق الحساسة في الحسكة ودير الزور والرقة. كما يؤدي ذلك إلى إرباك السكان المحليين الذين كانوا يعولون على الاتفاق لتحسين الوضع الأمني والخدماتي.
ومن أبرز التداعيات الأمنية للعراقيل الحالية، احتمال عودة نشاط خلايا تنظيم "داعش" في بعض المناطق الصحراوية والريفية، مستفيدة من الانقسام الأمني وضعف التنسيق بين القوى المسيطرة على الأرض. فكلما طال أمد الخلافات، ازدادت قدرة التنظيمات المتشددة على التحرك وإعادة تنظيم صفوفها، خاصة في المناطق التي تشهد هشاشة أمنية وفراغاً إدارياً.
كما أن التوتر المستمر يهدد بإشعال مواجهات محلية محدودة بين مجموعات مسلحة أو عشائرية، في ظل الحساسية الاجتماعية والعرقية التي تتميز بها المنطقة. وتخشى جهات دولية من أن يؤدي انهيار التفاهمات إلى موجة تصعيد جديدة قد تدفع أطرافاً إقليمية للتدخل بصورة أكبر، ما يزيد تعقيد المشهد الأمني.
يأتي ذلك بينما تصر الحكومة السورية على تنفيذ بنود الاتفاق وإنهاء عملية الدمج، من خلال احتواء التوترات وعدم العودة إلى التصعيد العسكري، الذي لا ينسجم مع النهج المتبع في مرحلة ما بعد التحرير، وإعطاء الأولوية للمسار السياسي.
ومضى على دخول الاتفاق حيز التنفيذ أكثر من ثلاثة أشهر، حيث شهد التزاما لافتا من الجانب الحكومي بتعيين اثنين من قياديي "قسد"، الأول نورالدين أحمد محافظا للحسكة، والثاني سيبان حمو، معاونا لوزير الدفاع لشؤون المنطقة الشرقية، إضافة إلى إتمام بنود أخرى تتعلق بعودة مهجري عفرين ومناطق أخرى إلى منازلهم، والإفراج عن عناصر "قسد" الموقوفين لدى الأمن العام السوري.
وعادت السبت مئات العائلات من محافظة الحسكة إلى قراهم وبلداتهم في منطقة عفرين بريف حلب، بعد سنوات من النزوح. وقالت مديرية إعلام الحسكة إن القافلة، التي انطلقت بإشراف الفريق الرئاسي، تضم نحو 1200 عائلة من أهالي عفرين، مشيرة إلى أن عناصر الأمن الداخلي في محافظتي الحسكة وحلب يرافقون القافلة، بالتنسيق مع وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، التي تعمل على توفير الدعم والمستلزمات اللازمة خلال الرحلة.
ومنذ بدء تنفيذ الاتفاق، عادت نحو 1400 عائلة من نازحي عفرين في محافظة الحسكة إلى مناطقهم الأصلية، إذ عادت أول دفعة مطلع آذار/مارس الماضي، بينما تتواصل حركة العودة ضمن مسار تدريجي مواز لمسارات أخرى من إطلاق سراح معتقلي "قسد".
واندمجت أربعة ألوية من "قسد" رسميا ضمن الجيش السوري، موزعة على الحسكة والقامشلي وديريك وعين العرب، بينما تجري "مناقشة ودراسة كيفية التحرك لاستيعاب هذه الأعداد، سواء عبر كتائب أو ملحقات للألوية المتشكلة، أو ألوية إضافية أو أفواج لتكون منخرطة في الجيش السوري"، بحسب تصريح أدلى به معاون وزير الدفاع، سيبان حمو، مطلع مايو/أيار الجاري.
أما فيما يخص ملف المعتقلين، فقد أفرجت الحكومة السورية، يوم الجمعة الفائت، عن دفعة جديدة من الموقوفين لديها. وقال نائب محافظ الحسكة أحمد الهلالي، إنه جرى إخلاء سبيل 232 موقوفا من "قسد" ممن اعتقلوا في الأحداث الأخيرة، مشيرا إلى أن "هذا الإجراء يأتي ضمن استكمال تنفيذ اتفاق 29 يناير/كانون الثاني الذي ينص على إطلاق جميع المعتقلين". وهذه ليست الدفعة الأولى من معتقلي "قسد"، حيث جرى إطلاق سراح آخرين في وقت سابق، ممن جرى توقيفهم خلال عمليات إنفاذ القانون.