حسين فهمي يتوّج في 'كان' بجائزة السينما العربية
القاهرة ـ يحمل حسين فهمي إلى مهرجان 'كان' هذا العام أكثر من مجرد حضور، ويستعد في مساء السبت السادس عشر من مايو/أيار، لتسلّم جائزة 'شخصية العام السينمائية العربية' في نسختها السابعة، التي يمنحها مركز السينما العربية تقديرا لمسيرة استثنائية لم تتوقف عن البناء منذ أكثر من خمسين عامًا. تكريم يأتي من قلب أرقى ساحات السينما العالمية، ليقول بوضوح، إن الرجل لم يكن يومًا مجرد نجم، بل صانع مشهد.
ما لا يعرفه كثيرون عن حسين فهمي أنه لم يبدأ ممثلا. الرجل المولود عام 1946 في القاهرة درس في المعهد العالي للسينما، ثم شدّ الرحال إلى الولايات المتحدة ليحصل على درجة الماجستير في الإخراج من جامعة كاليفورنيا.
كان يريد أن يصنع الأفلام، لا أن يكون فيها، لكن ما إن وقفت عليه الكاميرا حتى أدركت أنها لن تتركه بسهولة.
وظهر فهمي لأول مرة على الشاشة في مطلع السبعينيات، وسرعان ما فرض حضورا مغايرا لما كان سائدا في السينما المصرية آنذاك.
كان يحمل أناقة المتعلم وحدة الملاحظ، فجاءت أدواره مزيجا من الذكاء والجاذبية، لا تعتمد على الصخب بل على الحضور، وفي عقد واحد، تحوّل من وجه جديد إلى اسم لا يمكن تجاهله.
وأسهم فهمي في مرحلة ذهبية حقيقية من تاريخ السينما المصرية، حين كانت أفلام القاهرة تملأ دور العرض من المغرب إلى الخليج، وحين كان النجم المصري يعني شيئا خارج حدوده، قدّم خلال تلك السنوات أدوارا تنوّعت بين الرومانسية والأكشن والدراما النفسية، وأثبت أن الممثل الحقيقي لا يُحدّد بنوع بعينه.
ودخلت أفلام عدة من رصيده في قوائم أفضل مئة فيلم في تاريخ السينما المصرية، وهو تقدير لا ينال منه الزمن بل يزيده رسوخا. ولم يكن فهمي يؤدي شخصيات، بل كان يسكنها، وهو ما جعل أعماله تحتفظ بأثرها عند المشاهد لسنوات بعد المشاهدة الأولى.
وتجاوز رصيده اليوم مئتي عمل فني بين سينما ومسرح وتلفزيون، رقم لا يروي القصة كاملة لكنه يدلّ على شيء أعمق: ممثل لم يتعامل مع المهنة كموسم بل كالتزام.
ولم تقف مسيرة فهمي عند حدود الشاشة، فعلى مدار سنوات، حمل لقب سفير النوايا الحسنة الإقليمي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، موظّفا ثقله الاجتماعي والثقافي في قضايا تمسّ حياة الناس لا مجرد وجدانهم. هذا التقاطع بين الفن والالتزام الإنساني ليس ديكورًا في سيرته، بل جزء أصيل من هويته.
ويؤمن حسين فهمي بأن النجومية مسؤولية، وأن الوصول إلى الجمهور الواسع يُلزم صاحبه بأكثر من الترفيه، وهو إيمان انعكس في اختياراته الفنية كما في خياراته خارج الكاميرا.
وفي عام 2022، عاد حسين فهمي لرئاسة مهرجان القاهرة السينمائي الدولي للمرة الثانية، بعد أن سبق له قيادته بين عامَي 1998 و2001، لكن هذه العودة لم تكن استعادة لتجربة سابقة، بل كانت مشروعا مختلفا تماما في طموحه وأدواته.
وحوّل فهمي ما كان يمكن أن يكون مجرد استمرارية إلى مشروع إحياء فعلي. وأعاد الجناح المصري إلى سوق أفلام مهرجان كان بعد غياب طال، وهي خطوة رمزية وعملية في آنٍ واحد، تعني أن مصر عادت تُعرض نفسها على العالم لا تنتظر أن يكتشفها.
وأطلق كذلك مبادرات لترميم كلاسيكيات السينما المصرية، مدركًا أن الحاضر لا يُبنى بمعزل عن الذاكرة.
على صعيد الشباب، وسّع فهمي برامج 'أيام القاهرة لصناعة السينما' لتشمل ملتقى وسوقا سينمائيا يربط صناع الأفلام العرب بنظرائهم الدوليين، خالقا مساحات حقيقية لا احتفالية.
وذهبت جهوده أبعد من المحيط الأوروبي التقليدي، إذ بنى شراكات استراتيجية مع مؤسسات ومهرجانات آسيوية، لا سيما في الصين، فتح من خلالها أبوابا لتعاون عابر للثقافات لم يكن مطروحًا من قبل بهذا الوضوح.
الجائزة التي يتسلمها فهمي مساء السبت تمنحها مركز السينما العربية سنويا لشخصية تركت أثرا ملموسا في تطوير السينما العربية وتعزيز حضورها دوليا.
وقد أوضح مؤسسا المركز، علاء كركوتي وماهر دياب، أن الاختيار هذا العام جاء تقديرا لجهوده في الحفاظ على مكانة مصر ومركزيتها في الصناعة السينمائية الإقليمية، عبر عمل متراكم لا يُحسب بالمناسبات بل بالأثر.
ويعلّق فهمي على التكريم بعبارة تكشف طريقة تفكيره، "هذه المبادرات هي السبيل لاستعادة مكانة الفن العربي عالميًا". جملة لا تحتفي بالذات بقدر ما تشير إلى ما تبقى من عمل.
إلى جانب الجائزة، يتصدر فهمي غلاف أحدث أعداد مجلة السينما العربية التي يوزعها المركز خلال أيام كان، في لفتة تجمع بين التوثيق والاحتفاء، وتُثبّت صورته في المشهد الدولي كما ينبغي.