'بيوت الشعر' ديوان العرب المعاصر وفضاؤهم التنويري

فيصل السرحان يستعرض التجربة وأثرها الابداعي في النهوض بالقصيدة العربية خلال ندوة دولية بمعرض الرباط للكتاب، وقراءة في رؤية المبادرة وانتقال الشعر إلى 'زمن المؤسسة'.

ضمن الفعاليات الثقافية في الدورة 31 للمعرض الدولي للنشر والكتاب 2026، في فعاليات "الرباط عاصمة عالمية للكتاب"، شارك الأستاذ فيصل السرحان، مدير "بيت الشعر بالمفرق"، بورقة عمل في ندوة "بيوت الشعر.. تجارب ورهانات"، حملت عنوان: "بيوت الشعر مبادرة.. قراءة في الأثر الثقافي".

أكد فيها السرحان بأن الشعر يَبْقَى من أعرقِ أشكالِ التعبيرِ الإنسانيِّ وأكثرِها التصاقًا بوجدان الشعوب وذاكرتِها الحضارية؛ فَهُوَ لَيْسَ مُجَرَّدَ فَنٍّ لُغَوِيٍّ أَوْ تَرَفٍ جَمَالِيْ، بَلْ أَدَاةُ وَعْيٍ وَبِنَاءٍ ثقافي، وَمِرْآةٌ تَعْكِسُ تَحَوُّلَاتِ الإنسانِ وأسئِلَتَهُ الكُبرى عبرَ العصور، حيث لا يزالُ الشِّعْرُ ديوانَ العربِ وحافِظَ هُويتهم، يَحْمِلُ قِيَّمَهُمْ، وَيَصُوغُ أَحْلَامَهَمْ، ويُؤَرِّخُ لِآمَالِهِمْ وَانْكِسَارَاتِهِمْ.

وفي زمنٍ تتسارعُ فيه التحوّلاتُ الفكريةُ والتقنية، تزدادُ الحاجةُ المُلِحَّةُ إلى استعادةِ الدَّوْرِ الرِّيَادِيِّ والتّنويريِّ للشّعْر، بوصفِهِ قُوَّةً نَاعِمَةً قَادِرَةً على تهذيب الذائقة، وتعميقِ الحِسِّ الإنساني، وإحياءِ روحِ الحِوَارِ والانتماءِ والجمالْ. فالشّعرُ الحقيقيُّ لا يكتفي بِوَصْفِ الواقع، بل يُسْهِمُ في إعادةِ تشكيلِهِ، ويمنحُ الإنسانَ قدرةً أعمقَ على الفهمِ والتأمّلِ ومقاومةِ القُبْحِ والتّطرفِ والسطحية.

وأضاف السرحان قائلاً: "مِنْ هذا المنطلق، تأتي هذه الورقة لِتُسَلِّطَ الضّوءَ على أهميةِ بيوتِ الشّعرِ بِوَصْفِهَا فضاءاتٍ حَاضِنَةً لِلشِّعْرِ والشُّعراء، تُسَاهِمُ في صناعةِ الجمال، وتعزيزِ القيمِ الإنسانيةِ والتنويريةِ في المجتمعات". وبيّن السرحان ذلك حين قال: "يمكنُ القولُ في بداية هذه الورقةِ إِنَّ الشّعْرَ العربي قَدِ انتقلَ مع تجربةِ بيوتِ الشّعرِ مِنْ زَمَنِ المجلّاتِ والملاحقِ الثَقافية، وَمِنْ مَنَابِرِ الشِّعْرِ في المهرجانات والملتقيات، إلى زمن المؤسسة الشعرية".

حدث ذلك منذ تسعينيات القرن الماضي، مع تأسيس أولى بيوت الشعر هنا في المغرب، وفي فلسطين والأردن وتونس والشارقة، وصولاً إلى مبادرةِ حاكم الشارقة التي تحتفي اليوم بمرور 10 سنوات على انطلاقها، وقد أسست لسبعة بيوت للشعر من المفرق الأردنية إلى تطوان المغربية، مروراً بنواكشوط والأقصر والقيروان والسودان ومراكش. وَبِفَضْلِ هذه المبادراتِ الرسميةِ والأهلية، أصبح للشعراء بَيْتٌ يأويهم، ومؤسّسةٌ ترعاهُمْ وَتَتَعَهَّدُ تجاربَهُمْ وَتُصْدِرُ أعمالهم. ويمكنُ أَنْ أُنَوِّهَ هنا، وأنا في المغرب، بتجربتين فريدتين؛ تجربة بيت الشعر برئاسة الشاعر مراد القادري، وهو البيت الذي يصدر مجلة ثقيلةً صقيلة، وتجربة دار الشعر في تطوان، التي حقّقت حضوراً جماهيرياً لا نظير له، يُذَكِّرُنَا بأمجادِ الشّعر الذي كانَ يَمْلأُ الدُّنيا وَيَشْغَلُ النّاس.

وحول "بيوت الشعر.. المبادرة والتأسيس"، أشار السرحان إلى أنه في عام 2015 كانت مدينة المفرق -شمالَ المملكة الأردنية الهاشمية- على موعد مع انطلاق مؤسسة ثقافية نوعية شكلت فيما بعد محطة توهّجٍ جديدة للثقافة الأردنية وضمن مبادرة أشمل، شكلت أيضاً تجديداً في علاقة الشاعر والجمهور وابتكرت المزيدَ من الفضاءات التي أتاحتها مبادرة (بيوت الشعر)، والتي أطلقها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، حاكم الشارقة، وشكّلت نقطة انطلاق وعمل جديدة على مسار الأدب والثقافة العربية.

وذكر مدير البيت بالمفرق: "لقد جاءت هذه المبادرة في مرحلة حملت منعطفات وتحولاتٍ جديدةْ، فَمَعَ تَرَاجُعِ اللغة العربية، وتشتُّتِ الأصواتِ النقدية، وتباينِ آرائها تُجَاهَ القصيدةِ العربيةِ الحديثةِ وقضاياها، ومع قلّةِ حضورِ القصيدةِ العربية في المناهج الدراسية، وصولاً إلى الفعاليات الشعرية التي قدّمت أسماءً لا ترقى إلى أن تحملَ صوت القصيدة، وتعبّر عن قوة حضورها في الوجدان العربي، عبر فنياتها المختلفة من شكل ومعنى ومبنى، كل هذا وغيرُهُ وجد في مبادرة بيوت الشعر محطةً تتوازنُ فيها المساراتُ وتصوّبُ فيها الاتجاهات وأكثرَ من هذا بكثير".

ورأى السرحان أن هذه المبادرة التي انطلقت في عام 2015، توزعت على عدة مدن عربية؛ فكانت البداية من مدينة المفرق الأردنية، تلتها نواكشوط الموريتانية، ثم الأقصر المصرية، فالقيروان التونسية، وحطت رحال البيت الخامس في تطوان المغربية، وعادت إلى الخرطوم السودانية، ثم اختتمت بدار الشعر في مراكش.

وقال السرحان بخصوص "الأمسيات الشعرية وفرصة اللقاء الثقافي": "على امتداد أكثر من عشرة أعوام، ضمّت أروقة بيت الشعر ما يزيد على 232 أمسيةً شعرية، استضاف خلالها البيت أكثر من 702 شاعراً وشاعرة، حيث أتاحت هذه الأمسيات فرصة اللقاء بين الشاعر والجمهور؛ إذ أصبح باستطاعة محبي الشعر ومتابعيه لقاء أهم الأسماء الشعرية، والاستماع مباشرة إلى قصائدهم، كما شكل رواق بيت الشعر حالة لقاء بين الجمهور والشعراء من جهة، وبين الشعراء أنفسهم من جهة أخرى، فهذه الأمسيات شكلت فرصة لقاء ثقافي يتعرف فيها الجمهور والشعراء إلى الشاعر وحياته وأبعدَ من هذا، لقد شكلت ذكرى هذا اللقاء دافعاً للأصوات الخجولة؛ بعرض نتاجها على كبار الشعراء والنقاد الذين حضروا بيت الشعر خلال الأمسيات".

وعن شراكات وتعاون في سبيل الشعر، ذكر السرحان حين قال: "كان لابد لبيت الشعر من بناء شراكات حقيقية مع المؤسسات الثقافية والأدبية على امتداد المملكة، فقد نفذ البيتُ عشرات الأمسيات في العاصمة الأردنية عمّان، سواء أكانت بالتعاون مع وزارة الثقافة، كتلك التي تقام في المكتبة الوطنية والمركز الثقافي الملكي، أو تلك التي تقام بالتعاون مع مؤسسات وهيئات أهلية كمنتدى البيت العربي في عمّان، وبيت عرار الثقافي في إربد، وجامعة الزيتونة، وجامعة فيلادلفيا، والجامعة الأردنيّة، وجامعة البترا... وغيرها.. لقد كوّنت هذه الشراكات منظومة من العلاقات بين بيت الشعر وجمهور هذه المؤسسات والعاملين فيها، كما عرّفت هذه الشراكات بمبادرة بيوت الشعر وأهميتها وأثرها الثقافي، فكانت بمثابة وسيلة تواصل واستقطاب لجمهور الشعر ومتذوقيه".

أما الاحتفال بالعربية، فقد بيّن فيصل السرحان أن العربية جوهرُ حضارة العرب، وموئل إبداعاتهم وخيط النور الخفي الذي يجمع أبناء الأمة ويعزز التواصل بين النخب الثقافية وبين أبناء الأمة عموماً، وإن تعزيز حضور القصيدة العربية ورعاية الشعر الحديث وبث روح الاهتمام بالعربية جعلَ من مبادرةِ بيوتِ الشعر فرصةً متجددة، يعلو بها شأن العربية ويزيدُ من حضورها العالمي، كما يزيد من المحتوى العربي عبر الإنترنت والوسائل التقنية الرقمية الحديثة.

ويحتفلُ بيت الشعر في كل عام باليوم العالمي للشعر، من خلال إقامة ملتقى شعري بهذه المناسبة على امتداد ثلاثة أيام، عبر برنامجٍ زاخرٍ بالقراءات الشعرية، وعرضِ وإهداءِ إصداراتِ دائرةِ الثقافة في حكومة الشارقة، خاصة وأن المبادرة أتاحت طباعةَ مجموعةٍ من دواوين الشعراء من الأردن، ومن أرجاء الوطن العربي كافة. كما أن إقامة "ملتقى النقدِ الأدبي" بموضوعات متعددة وعلى امتداد السنوات، يُشَكِّلُ حالةً نقديةً تثري مسيرة النقد الحديث، الذي يتناول التجارب الشعرية ضمن عناوين متعددة متجددة في كل عام، وحيث يقام هذا الملتقى النوعي الداعم للعربية وعلومها في رحاب إحدى الجامعات ذات الاهتمام الأدبي، إذ أقيم في الجامعة الأردنية وعدد من الجامعات الحكومية والخاصة وعبر سنوات، وباستضافة أهم النقاد والعاملين في حقل النقد الأدبي الحديث من خبراء ومختصين.

وأشار إلى مهرجان المفرق للشعر العربي (عشرة أعوام من الشعر وأكثر)؛ حيث يُقيمُ بيت الشعر في كل عام مهرجاناً شعرياً يشارك فيه عشرات الشعراء، وعلى امتداد أربعة أيام، تتوزع فيه الأمسيات بين العاصمة عمّان وعدد من المحافظات، في سبيل إتاحة الفرصة لأكبر عدد من الجمهور لحضور هذا المهرجان الذي يستضيف أهم الأسماء العربية المقيمة في الأردن إلى جانب شعراء الأردن من المحافظات كافة.

واختتم حديثه بالقول: "إِنَّ دَعْمَ الشِّعْرِ والاحتفاءَ به ليس ترفاً ثقافياً، بل استثمارٌ في بناءِ الإنسانِ الواعي القادرِ على الْحُلْمِ والتَّأَمُّلِ والإبداعْ. وَمِنْ هُنَا، فإنّ بيوتَ الشّعر تتحمّلً مسؤوليةً كبيرةً في رعايةِ الأصواتِ الشعرية، وتوسيعِ حضورِ الشّعرِ في الحياة العامة، وَرَبْطِهِ بقضايا المجتمع والإنسان، ليظلَّ مَنَارَةً للتنويرِ ورافداً أصيلاً من روافدِ الهُوُيّةِ والحضارة".

كما أثنى السرحان على تنظيم هذه الندوة حَوْلَ بيوتِ الشِّعرِ العربي، والتي مِنْ شأنِها أَنْ تكونَ فاتحةً للتواصلِ والحوارِ والتنسيقِ بينَ بيوتِ الشّعرِ العربيةِ كُلِّهَا، مقترحاً إصدار "إعلان الرباط" بمناسبة اختيارها عاصمةً عالميةً للكتاب، ومستحضراً فكرةً كانَ قَدْ عَبَّرَ عنها الشاعرُ المغربي مخلص الصغير، وهي اقتراحُ عاصمةٍ للشعر كلَّ سنة؛ كَأَنْ تكونَ تطوان، مثلاً، أو الرباط، أو فاس، عاصمةً عالميةً للشعر سنة 2027، وغرناطة سنة 2028، والمفرق سنة 2029، والقاهرة سنة 2030، وهكذا.