خيوط بيرقدار تنسج ذاكرة السجاد السوري
دمشق ـ تنسجُ أصابعُ الحرفي السوري محمد بيرقدار الخيوطَ كما لو أنها ترسم لوحة نابضة بالحياة، في محاولة للحفاظ على واحدة من أعرق الحرف التقليدية السورية، وسط عالم تتراجع فيه الصناعات اليدوية أمام الإنتاج الحديث السريع، وبين ألوان الحرير والعُقد الدقيقة لا تزال حرفة السجاد اليدوي السوري تقاوم الاندثار بوصفها فناً يحمل ذاكرة المكان وروح الشرق.
ينحدر بيرقدار من حي قنسرين في مدينة حلب، حيث ورث المهنة عن عائلته التي عملت بداية في إصلاح السجاد اليدوي، قبل أن تتوسع لاحقا إلى بيعه وشرائه ثم تصنيعه وترميم القطع الأثرية النادرة، وقبيل الثورة بسنوات، غادر إلى لبنان وتركيا، حيث واصل مع عائلته تطوير هذه الحرفة، فأسسوا مشغلاً لصناعة السجاد اليدوي في بيروت، قبل أن يطلق مشغله الخاص الذي ينتج اليوم سجاداً ولوحات فنية تنفذ بمعظمها حسب الطلب.
و يؤكد بيرقدار أن الحرفيين السوريين، ولا سيما الحلبيين، يمتلكون خصوصية فنية تميزهم عن المدارس العالمية المعروفة كالسجاد العجمي الفارسي، موضحا أن الحرفي السوري لا يلتزم بنمط واحد، بل يتقن مدارس متعددة، كالقوقازي والعجمي وغيرها، ما يمنحه قدرة واسعة على الابتكار والتنوع.
وشارك الفنان في معارض أقيمت في حلب ولبنان وتركيا، عارضا مجموعة نادرة من السجاد واللوحات الفنية، من بينها سجادة تاريخية تعود إلى السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، وأخرى مصنوعة من وبر الجمل، إضافة إلى سجاد حريري خالص ولوحات دينية وأيقونات مسيحية أثرية يعود عمر بعضها إلى نحو أربعمئة عام.
كما يحتفظ بقطع أصلية من باب الكعبة المشرفة، يعمل على ترميم بعضها داخل مشغله باستخدام أدوات وتقنيات متخصصة تعيد للسجاد اليدوي حالته الأصلية، وتحافظ على قيمته الفنية والتاريخية.
داخل مشغله، تتوزع أقسام التصنيع والترميم والبيع، فيما تتحول الخيوط الحريرية إلى لوحات فنية تنفذ يدوياً بالكامل، ومن أبرز الأعمال التي أنجزها لوحة “نهر الكوثر”، التي تجسد مشهداً طبيعياً تتداخل فيه الحيوانات والأنهار والمياه والعسل، إلى جانب أعمال دينية منفذة بخيوط الحرير، من بينها لوحات للسيد المسيح.
ويقول بيرقدار في تصريح لوكالة الأنباء السورية (سانا) "نريد أن نؤكد أن الشعب السوري شعب مبدع، يتقن هذه الحرفة وهذا الفن الراقي، فالرسم على السجاد ليس أمرا سهلا، لأن الفنان هنا لا يرسم على الورق، بل يرسم بالخيوط والعُقد، واليد العاملة السورية قادرة على تقديم فن كبير يستحق الدعم والاهتمام".
ورغم القيمة الفنية والتراثية الكبيرة للسجاد اليدوي السوري، يرى بيرقدار أن هذه الحرفة باتت مهددة بالاندثار نتيجة ضعف الاهتمام بها وتراجع الإقبال عليها، قائلاً: “أبلغ اليوم السابعة والثلاثين من عمري، ولا أرى من يكمل هذا الطريق من بعدي، بسبب غياب الدعم الحقيقي لهذه المهنة”.
من جهتها، أوضحت الفنانة التشكيلية الدكتورة رغدة سعيد في معرض تقييمها لتجربة بيرقدار، أنه فنان صاحب شغف كبير بمهنته، وحريص على تطوير أدواته وخبراته ذاتيا.
ولفتت إلى أن أعمال بيرقدار تتميز بالدقة العالية والنظافة والإتقان، وتحمل كل قطعة فيها رسالة فنية وروحية خاصة، كما يعتمد على عناصر الطبيعة والألوان المبهجة والانسجام اللوني، إلى جانب مهارته في إعادة تجديد السجاد القديم وتحويله إلى قطع معاصرة بروح جديدة.
وأضافت: إن الفنان يبرع في الرسم الواقعي المباشر على السجاد بتفاصيل دقيقة، ما يجعل أعماله أقرب إلى لوحات تشكيلية منفذة بالخيوط، واعتبرت أنه ثروة وطنية حقيقية، ونموذج لفنان سوري يجب أن يحظى بالدعم والاهتمام، لأن هذا النوع من الفن أصبح نادراً جداً في سوريا اليوم.
وتبقى حرفة السجاد اليدوي السوري فناً يختزن ذاكرة حضارية طويلة، ويعكس قدرة الإنسان السوري على تحويل الخيوط والألوان إلى لوحات نابضة بالجمال والهوية، في وقت تبدو فيه الحاجة ملحّة اليوم لحماية هذا الإرث وصونه بوصفه جزءاً أصيلاً من التراث الثقافي السوري.