'قانون الفنان' في تونس.. عسل الضمان وسُمّ الوصاية؟

جدل يحتدم بعد المصادقة على قانون لتنظيم العمل الفني يراوح بين طموح النقابات في تأمين حقوق اجتماعية واقتصادية للمبدعين، وتوجس فنانين مستقلين من تحوله إلى أداة لتسليط سيف الإدارة وتقييد حرية الإبداع.

بعد عقد من المخاض التشريعي والانتظار في ردهات البرلمان، أبصر قانون "الفنان والمهن الفنية" النور في تونس، حيث صادق عليه مجلس نواب الشعب في الثاني عشر من مايو/آيار 2026 بأغلبية ساحقة (76 صوتاً)، ليدشّن بذلك مرحلة جديدة في تاريخ الممارسة الثقافية التونسية. غير أن هذا النص الذي احتفت به الهياكل النقابية كإنجاز تاريخي، واجهه موجة من النقد اللاذع من قامات فنية ترى فيه "ردة" حقوقية ووصاية إدارية مقنعة.

دستور فنّي بملامح تقنية

جاء القانون في 45 فصلاً، ليكون بمثابة "العقد الاجتماعي" الجديد الذي يربط الفنان بالدولة والسوق. ويهدف بالأساس إلى إخراج الفن من دائرة "الهواية" أو "النشاط الهامشي" إلى مربع "المهنة المهيكلة"، خاصة مع اقتحام التكنولوجيات الحديثة والذكاء الاصطناعي للمجال الإبداعي.

يرمي القانون الجديد إلى إرساء هيكلة شاملة للقطاع الفني، حيث نص في فصله العاشر على إقرار "البطاقة المهنية" كشرط جوهري وجسر عبور إلزامي لممارسة النشاط الإبداعي بصفة محترفة، تحت إشراف لجان مختصة تملك صلاحية ضبط شروط إسنادها أو سحبها.

وبالتوازي، تم وضع آليات مستحدثة للحماية الاجتماعية تضمن للمبدعين تغطية صحية وجراية تقاعد كريمة تتماشى مع طبيعة العمل الفني "الموسمية" وتقلبات نشاطه، لتنهي بذلك عقوداً من الخصاصة والتهميش.

كما لم يغفل المشرع الجانب التعاقدي بفرضه "عقداً فنياً" يحصّن حقوق الفنان المادية والمعنوية في مواجهة جهات الإنتاج، ويكرس مفهوم "السيادة الثقافية" عبر إلزام وسائل الإعلام بنسب دنيا لبث الأعمال الوطنية وتنظيم مشاركة الفنانين الأجانب، انتصاراً للمنتوج المحلي ودعماً لإشعاعه.

يُذكر أن مشروع القانون الذي نال مصادقة البرلمان هو مقترح تم إعداده وصياغته من داخل أروقة المؤسسة التشريعية ذاتها، وفي المقابل، ظل مشروع قانون آخر أعدته وزارة الشؤون الثقافية في وقت سابق حبيس الأدراج دون تفعيل. وقد أثار هذا التباين تساؤلات جدية حول الدوافع الكامنة وراء استبعاد مقترح الوزارة، خاصة وأنه كان نتاجاً لعملية تشاركية واسعة شملت استشارات فنية ومهنية مع نخبة من أهل القطاع وخبرائه.

بين "الإنصاف النقابي" و"التمرّد الإبداعي"

انقسمت الساحة الثقافية إزاء هذا النص إلى تيارين متناقضين تماماً، تيار يمثله ماهر الهمامي رئيس نقابة الموسيقيين، الذي اعتبر القانون "تحولّاً جذرياً" ينصف الفنان التونسي ويمنحه هوية قانونية واضحة ويحميه من تقلبات الزمن و"البطالة المقنعة"، مؤكداً أن تونس تجاوزت بهذا النص فراغاً تشريعياً مزمناً.

وفي الضفة المقابلة، انتصب المسرحي توفيق الجبالي كأشرس المعارضين، مطلقاً صرخة فزع ضد ما أسماه "الوصاية الإدارية". يرى الجبالي أن الفن "فعل حر" لا يحتاج إلى "تصريح" أو "بطاقة" تمنحها الإدارة، معتبراً أن الفصل 40 الذي يفرض خطايا مالية تصل إلى 10 آلاف دينار تونسي (نحو 3 الاف دولار) على من يمارس الفن دون بطاقة، هو بمثابة "سيف مسلّط على الرقاب" وتطويع للقطاع تحت التهديد المادي.

بالنسبة إلى المعارضين، فإن تحويل وزارة الشؤون الثقافية من "راعٍ" إلى "منظم" يمنح الرخص ويمنعها، يهدّد بتحويلها إلى "بوليس ثقافي" يقسم المبدعين إلى "محترفين" معترف بهم إدارياً و"هواة" أو "خارجين عن القانون"، مما يضرب في العمق معايير اليونسكو الدولية التي تقوم على "التمكين الطوعي" لا الإكراه الإداري.

بين طموح المشرع في "تنظيم الفوضى" وتوفير "الأمان الاجتماعي"، وهواجس المبدع من "تأميم الخيال" وحصر الإبداع في "بطاقة بلاستيكية"، لا ينفصل الجدل حول قانون الفنان عن المشهد العام للحريات في تونس اليوم؛ حيث يتوجّس الكثيرون من أن يكون هذا التقنين جزءاً من مناخ أوسع يميل نحو "الضبط والربط" وإحكام الرقابة الإدارية على الفضاء العام.

يطرح بذلك قانون الفنان الجديد إشكالية أزلية: هل يمكن للمسطرة القانونية والقوالب الإدارية أن تحتضن جنون الفن وتمرّد الإبداع دون أن تخنقه؟ أم أننا أمام نص أراد حماية "خبز" الفنان فانتهى بالمقامرة بـ "حريته"؟