موت الحقيقة عبر الشاشات الإعلامية

القيمة المعرفية للواقع تتحوّل إلى أداة مُصنّعة تخدم مصالح السلطة والسوق، حيث يُعاد تشكيله عبر الخطاب والميديا لصناعة التقبل الشعبي وتوجيه العقول وفق رؤى القوى المهيمنة.

لم تعد الحقيقة في العصر الحديث قيمة ثابتة يُبحث عنها من أجل المعرفة، بل أصبحت أداة تُصنع وتُوجَّه وفق مصالح السلطة والسوق والإعلام. فقد رأى فريدريك نيتشه أن ما يسميه البشر "حقيقة" ليس سوى تعبير عن إرادة القوة؛ أي إن الإنسان لا ينتج المعرفة بدافع حب الحقيقة الخالص، بل بدافع السيطرة وفرض رؤيته على الآخرين. فالحقيقة عنده ليست شيئًا مقدسًا وثابتًا، وإنما بناءٌ تاريخي تصنعه القوى المهيمنة داخل المجتمع.  

ومن هذا المنطلق طوّر ميشيل فوكو مشروعه الفلسفي حول العلاقة بين المعرفة والسلطة، حيث اعتبر أن المؤسسات الحديثة - كالمدرسة، والسجن، والمستشفى، والمصحة النفسية - لا تعمل فقط على تنظيم المجتمع، بل على تشكيل طريقة تفكير الإنسان نفسه. فالمعرفة عند فوكو ليست بريئة، وإنما ترتبط دائمًا بالسلطة؛ إذ إن كل سلطة تنتج خطابًا يبرر وجودها ويمنحها الشرعية.  

لقد أصبحت وسائل الإعلام الحديثة امتدادًا لهذا النظام؛ فهي لا تكتفي بنقل الواقع، بل تعيد تشكيله وصناعته. فالصورة الإعلامية لا تُعرض دائمًا من أجل كشف الحقيقة، بل من أجل توجيه الرأي العام وصناعة القبول الجماهيري. وهكذا تتحول الحقيقة إلى سلعة تخضع لمنطق السوق والإشهار، وتصبح الأخبار والصور أدوات للتأثير النفسي والسياسي.

وقد ظهرت هذه الفكرة بوضوح في تجارب إنسانية كثيرة عبر التاريخ. ففي الحروب الحديثة مثل حرب العراق استُعمل الإعلام بكثافة لإقناع الشعوب بوجود "أسلحة دمار شامل"، قبل أن يتبين لاحقًا أن كثيرًا من تلك الادعاءات لم يكن صحيحًا. هنا لم يكن الهدف نقل الحقيقة بقدر ما كان صناعة رأي عام يبرر الحرب. كذلك عاشت شعوب عديدة تحت أنظمة شمولية جعلت الإعلام أداة لصناعة الزعيم المثالي وتوجيه الجماهير، كما حدث في ألمانيا النازية والاتحاد السوفيتي سابقًا، حيث تحولت الصورة والخطاب الإعلامي إلى وسيلة للهيمنة على العقول.

وفي الحياة اليومية أيضًا، يعيش الإنسان المعاصر تجربة مشابهة من خلال وسائل التواصل الاجتماعي؛ إذ أصبح كثير من الناس يقارنون حياتهم بصور مثالية ومزيفة تُعرض على الشاشات. فالمؤثرون يعرضون السعادة والنجاح والجمال وكأنها حقائق كاملة، بينما تخفي الصورة خلفها القلق والمعاناة والتزييف. وهكذا لم تعد الصورة مرآةً للواقع، بل وسيلة لصناعة واقع بديل يُستهلك يوميًا.

ويدعم هذه الفكرة أيضًا مفكرون آخرون مثل جان بودريار الذي رأى أن العالم الحديث يعيش في "عصر المحاكاة"، حيث أصبحت الصور والإعلانات والوسائط الإعلامية تحل محل الواقع الحقيقي حتى صار الإنسان يستهلك الرموز أكثر مما يعيش الحقيقة نفسها. كما انتقد نعوم تشومسكي دور الإعلام في "صناعة القبول"، موضحًا كيف تُستخدم وسائل الإعلام لتوجيه الرأي العام بما يخدم مصالح القوى السياسية والاقتصادية.

إن أخطر ما في الإعلام المعاصر ليس الكذب المباشر فقط، بل قدرته على صناعة وهم يبدو أكثر إقناعًا من الحقيقة نفسها. فحين تتكرر الصورة والخطاب باستمرار، تتحول الأكذوبة إلى أمر مألوف، ويصبح الإنسان عاجزًا عن التمييز بين الواقع وما صُنِع له بعناية داخل الشاشات. وهكذا تموت الحقيقة تدريجيًا، لا لأنها اختفت، بل لأن الضجيج الإعلامي أصبح أعلى من صوتها.