رائحة العود تتحوّل إلى ضوء في آرت دبي
دبي ـ في تجربة فنية تتجاوز الحدود التقليدية بين الحواس، قدّم الفنان النمساوي سيدهارتا كونتي عملا رقميا مبتكرا ضمن فعاليات آرت دبي 2026، يقوم على تحويل رائحة العود إلى أشكال بصرية تفاعلية عبر تحليل بنيتها الجزيئية وإعادة صياغتها في هيئة منحوتات رقمية ثلاثية الأبعاد.
والعمل لا يكتفي بتقديم العطر مادةً تُشَم، بل يعيد التفكير في مفهوم الإدراك الحسي نفسه، من خلال ترجمة الرائحة إلى لغة يمكن رؤيتها والتفاعل معها بصرياً. وهي فكرة تجمع بين الفن المعاصر والعلوم الكيميائية وتقنيات الذكاء الاصطناعي في مشروع يختبر حدود العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا.
وينطلق المشروع من سؤال فلسفي وعلمي معقد: هل يمكن رؤية الرائحة؟ فبينما يسهل تحويل الصوت إلى موجات مرئية أو الضوء إلى بيانات رقمية، تبقى الروائح من أكثر العناصر استعصاءً على التمثيل البصري، بسبب تركيبها الجزيئي المتشابك واختلاف استجابة الدماغ لها من شخص إلى آخر.
من هنا، عمل كونتي على تحليل التركيب الكيميائي للعود ببرامج متخصصة تقرأ تفاعلات الجزيئات العطرية، ثم تحويل هذه البيانات إلى تكوينات هندسية متحركة تتغير وفق أنماط رقمية تحاكي طبيعة انتشار الرائحة في الهواء.
وتظهر المنحوتات الرقمية داخل فضاء مظلم نسبيا، تتحرك فيه الأشكال الضوئية بانسيابية كأنها تجسّد حركة العطر غير المرئية.
ولم يكن اختيار العود قراراً جماليا فحسب، بل يحمل بُعدا ثقافيا واضحا، فالعود في الثقافة العربية يرتبط بالذاكرة والضيافة والروحانية والمناسبات الاجتماعية، ويُنظر إليه جزءاً من الهوية الحسية للمنطقة.
ولذلك تعامل الفنان مع العود بوصفه 'أرشيفاً عاطفيا' أكثر من كونه مادةً عطرية، إذ إن الرائحة قادرة على استدعاء الذكريات والمشاعر بسرعة تفوق الصورة أحيانا، لارتباطها المباشر بمناطق الذاكرة والانفعال في الدماغ.
ويتيح المعرض للزوار تجربةً مزدوجة، إذ تُعرض المنحوتات الرقمية إلى جانب العطر الحقيقي وبطاقات عطرية تفاعلية، ما يسمح بربط المرئي بالمشموم في اللحظة ذاتها.
وتتكامل داخل جناح العرض، المؤثرات الصوتية مع الإسقاطات الضوئية وتقنيات الهولوغرام لتكوين بيئة غامرة تجعل الزائر جزءاً من التجربة لا مجرد متلقٍّ لها.
وتتحول الرائحة هنا إلى عنصر درامي، حيث تتغير الإضاءة والإيقاعات البصرية تبعاً لتحولات التركيب العطري المعروض، مما يمنح التجربة طابعاً تأملياً ويدفع الجمهور إلى مساءلة طريقة تلقّيه للفن في العصر الرقمي.
ويرى مختصون أن تجربة كونتي تفتح نقاشا جديدا حول مستقبل حفظ الذاكرة الإنسانية رقميا، ففي الوقت الذي تُحفظ فيه الصور والأصوات رقميا منذ عقود، لا تزال الذاكرة الشمية بعيدة عن الأرشفة التقنية، ومن هنا تأتي أهمية هذا المشروع بوصفه محاولةً أولية لتحويل الرائحة إلى 'بصمة رقمية' قابلة للحفظ والعرض وإعادة التشكيل.
كما يطرح العمل أسئلة أوسع حول حدود قدرة الذكاء الاصطناعي على تمثيل المشاعر والأحاسيس غير الملموسة.
ويأتي هذا العمل ضمن فعاليات آرت دبي 2026 في دورته العشرين، الذي يُعدّ من أبرز المنصات الدولية للفنون المعاصرة والرقمية، ويجمع فنانين ومؤسسات ثقافية من مختلف أنحاء العالم في حوار مفتوح حول مستقبل الإبداع.
ويواصل المعرض هذا العام تركيزه على الأعمال التي تمزج بين الفن والتكنولوجيا، في انعكاس واضح للتحولات التي يشهدها المشهد الفني العالمي، مؤكدا مكانة دبي مركزا ثقافيا يستقطب المشاريع الطليعية ويمنحها مساحة للتجريب.