مبادرة إماراتية تعيد الحياة إلى أحد أعظم رموز الحضارة الاسلامية
في خطوة تعكس التزام دولة الإمارات العربية المتحدة بالحفاظ على التراث العربي والإسلامي، أعلنت الإمارات عن مبادرة لترميم الجامع الأموي في العاصمة السورية دمشق، بدعم من الشيخة فاطمة بنت مبارك، في مشروع ثقافي وإنساني يهدف إلى صون واحد من أعظم المعالم الإسلامية وأكثرها تأثيراً في التاريخ.
وأكد المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات أنور قرقاش في تغريدة له عبر منصة اكس، أن هذه المبادرة تجسّد الرسالة الحضارية للإمارات، مشيراً إلى أنها تمثل جسراً للتواصل مع سوريا الحديثة ومع تراث عربي وإسلامي مشترك يشكل جزءاً أصيلاً من الهوية الثقافية للأمة.
وقالت الشيخة فاطمة بنت مبارك إن المبادرة تنطلق من النهج الإنساني الراسخ للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والقائم على قيم العطاء والتنمية والبناء وخدمة الإنسانية، مؤكدة التزام الإمارات بحماية التراث العالمي وصون الثقافة العربية والإسلامية.
وجاء الإعلان عن المشروع خلال زيارة وزيرة الدولة نورة بنت محمد الكعبي إلى دمشق، حيث أوضحت أن الجامع الأموي يعد أحد أبرز المعالم التاريخية والرموز الثقافية الخالدة في العالم الإسلامي، وأن ترميمه يعكس مكانة التراث المشترك ووحدة الثقافة العربية، كما يؤكد وقوف الإمارات إلى جانب الشعب السوري في مختلف الظروف.
وتشمل المبادرة إعادة التأهيل الهيكلي والمعماري للجامع الأموي، إلى جانب تنشيط المنطقة التاريخية المحيطة به، بما ينسجم مع الخصوصية العمرانية والثقافية والاجتماعية لسوريا، في إطار الدور الإماراتي الرائد في الدبلوماسية الثقافية والعمل الإنساني.
ويعد الجامع الأموي في دمشق أحد أقدم وأهم المساجد في العالم الإسلامي، وقد شيده الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك بين عامي 705 و715 ميلادية عندما كانت دمشق عاصمة للدولة الأموية ومركزاً للعالم الإسلامي. وأراد الوليد أن يبني مسجداً لا مثيل له، فاستقدم مهندسين وفنانين من بلاد الشام وبيزنطة وفارس، ورصد ميزانيات ضخمة لإنشاء صرح يجمع بين الفخامة الدينية والإبداع الفني.
ويتميز الجامع بزخارفه الفسيفسائية المغشاة بالذهب، وأعمدته الحجرية الضخمة، وأقواسه الواسعة، ورخامه الملون، وصحنه المفتوح الذي تحيط به الأروقة، في تصميم أصبح نموذجاً معمارياً أثّر في بناء المساجد الكبرى في أنحاء العالم الإسلامي.
ويقع الجامع فوق موقع ديني شهد حضارات متعاقبة عبر آلاف السنين؛ فقد كان معبداً آرامياً، ثم تحول إلى معبد روماني للإله جوبيتر، وبعد ذلك أصبح كنيسة للقديس يوحنا المعمدان في العصر البيزنطي، قبل أن يتحول إلى مسجد في العصر الإسلامي. ويضم الجامع مقام النبي يحيى عليه السلام، ما يضفي عليه مكانة دينية وروحية خاصة لدى المسلمين.
ويضم المسجد ثلاث مآذن شهيرة هي مئذنة العروس، ومئذنة عيسى، والمئذنة الغربية، وقد شكلت عبر القرون جزءاً مميزاً من أفق دمشق القديمة، كما يمتد الجامع على مساحة تتجاوز 15 ألف متر مربع، ليظل واحداً من أكبر وأهم المساجد التاريخية في المنطقة.
ولم يكن الجامع الأموي مكاناً للعبادة فحسب، بل شكل على مدى قرون مركزاً للعلم والفقه والدراسة، وارتبط بعدد كبير من العلماء والمفكرين الذين مروا بدمشق، ما جعله ركناً أساسياً من الهوية الثقافية والحضارية للمدينة.
وقد أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) مدينة دمشق القديمة على قائمة التراث العالمي، ويعد الجامع الأموي أبرز معالمها. وتصفه اليونسكو بأنه تحفة معمارية أموية فريدة تجسد التطور الحضاري والفني للمدينة الإسلامية المبكرة.
كما ورد ذكر الجامع في العديد من المخطوطات التاريخية، ومنها كتاب عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات، حيث ذُكر إلى جانب الكعبة المشرفة بوصفه أحد أعظم معالم العالم الإسلامي.
وتعيد المبادرة الإماراتية تسليط الضوء على الجامع الأموي باعتباره شاهداً حياً على تعاقب الحضارات وازدهار دمشق، ورمزاً معمارياً وثقافياً يجمع بين الفن والتاريخ والدين. وهي لا تقتصر على ترميم مبنى أثري فحسب، بل تمثل رسالة حضارية تؤكد أن حماية التراث هي حماية للذاكرة الإنسانية المشتركة وللهوية الثقافية التي تربط الشعوب عبر الزمن.