'التغريبة الفلسطينية'.. سردية إنسانية تتجدد مع كل حرب
دمشق- مع حلول الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة، وما رافقها من تهجيرٍ قسريّ نفّذه الاحتلال الإسرائيلي بحق مئات آلاف الفلسطينيين، عاد مسلسل 'التغريبة الفلسطينية' إلى التداول مجددا عبر منصات التواصل الاجتماعي ووسائل إعلام عربية، من خلال إعادة نشر مشاهده ومقاطع منه، واستحضار قصته في تقارير وبرامج تناولت حضوره المستمر بعد أكثر من عشرين عاماً على إنتاجه.
يتذكر إبراهيم الريفي، الشاب الإسباني من أصول مغربية، كيف شاهد للمرة الأولى مسلسل 'التغريبة الفلسطينية'عام 2018، بعدما نصحه أحد أصدقائه بمتابعته، دون أن يتوقع أن يبقى العمل عالقاً في ذاكرته حتى اليوم، ولم يكن المسلسل مجرد عمل درامي عن فلسطين بالنسبة للشاب، بل نافذة متأخرة على عالم ظل بعيداً عن جيله من أبناء المغاربة الذين وُلدوا وترعرعوا في إسبانيا.
ويقول إبراهيم في حديثلوكالة الأنباء السورية (سانا)، إن العمل عرّفه إلى تفاصيل الحياة الفلسطينية اليومية بقدر ما قرّبه من النكبة نفسها، لكنه يرى أيضا أن المسلسل لا يزال بحاجة إلى الوصول إلى جمهور أوسع خارج العالم العربي، مشيرا إلى أن غياب الترجمة شكّل عائقا أساسيا أمام انتشاره بين كثير من المهتمين بالقضية الفلسطينية في الغرب.
ويوضح، "المسلسل يجب أن يُترجم، لأن كثيرين في الغرب، وحتى من أصول عربية، لا يستطيعون فهم اللغة العربية واللهجة الفلسطينية، رغم أن العمل يشرح ما حدث منذ البداية بطريقة إنسانية واضحة”، ويتابع: “أتمنى أن أكون جزءا من ترجمته".
ويتذكر إبراهيم القرى الحجرية، وأشجار الزيتون، والأعراس التي شاهدها في المسلسل، والمفردات الفلسطينية التي سمعها للمرة الأولى، لكن ما بقي راسخا في ذاكرته أكثر من أي شيء آخر، كانت مشاهد التهجير واللجوء، حسبما يقول، ويضيف، "حتى اليوم، عندما يُذكر الحديث عن النكبة، أتذكر التغريبة الفلسطينية".
بعد أكثر من عقدين على عرضه الأول في رمضان عام 2004، لا يزال العمل الذي كتبه الشاعر والكاتب الفلسطيني وليد سيف، وأخرجه المخرج السوري الراحل حاتم علي، يحتفظ بمكانة استثنائية في الذاكرة العربية، بوصفه واحدا من أبرز الأعمال الدرامية التي تناولت القضية الفلسطينية من منظور إنساني واجتماعي، بعيدا عن الخطابات السياسية المباشرة.
وقد شكّل المسلسل محطة مفصلية في تاريخ الدراما العربية، بعدما أعاد تقديم النكبة الفلسطينية من خلال تفاصيل الحياة اليومية لعائلة ريفية تواجه التهجير والاقتلاع والتحولات التي سبقت عام 1948 وما تلاه.
ولم يكن ارتباط حاتم علي بالمسلسل فنيا فقط، بل حمل أيضاً بعداً شخصيا، فالمخرج السوري المنحدر من عائلة مهجّرة من الجولان السوري المحتل، تحدث في أكثر من مناسبة عن شعوره بأن العمل يشبه تجربته الإنسانية الخاصة، وهو ما منح المسلسل صدقه العاطفي وقدرته على ملامسة جمهور واسع داخل العالم العربي وخارجه.
كما حرص صناع العمل على الابتعاد عن اللغة الشعاراتية التقليدية، وتقديم القضية الفلسطينية بوصفها حكاية إنسانية مفتوحة على تجارب الاقتلاع واللجوء.
وأعاد الكاتب الفلسطيني وليد سيف لاحقا توسيع عالم 'التغريبة الفلسطينية' أدبيا، بعدما حوّل العمل إلى روايتين بعنوان 'أيام البلاد' و'حكايا المخيم'، صدرتا عام 2022، واستكمل عبرهما سرد التحولات الاجتماعية والإنسانية التي عاشها الفلسطينيون قبل النكبة وبعدها.
ولا يبدو أن سيف قد اكتفى بذلك ففي العام الماضي، نقلت صحيفة 'رأي اليوم' الأردنية عنه قوله، "لا يوجد ما يمنع" إنتاج جزء ثانٍ من 'التغريبة الفلسطينية'.
وبالنسبة لكثير من المشاهدين العرب، لم تكمن قوة 'التغريبة الفلسطينية' في إعادة سرد الأحداث التاريخية فقط، بل في تحويل تفاصيل الحياة اليومية الفلسطينية إلى ذاكرة بصرية جماعية، عبر إيقاع هادئ وصور ركزت على الإنسان العادي، والفلاح، والأم، واللاجئ، والمقاتل، أكثر من تركيزها على الشعارات السياسية.
ويقول الصحفي الفلسطيني رمزي البيروتي، وهو لاجئ فلسطيني من غزة يقيم في إسبانيا، "إن المسلسل ترك "بصمة كبيرة" في الوجدان العربي بسبب تناوله المهني والدقيق لأحداث النكبة، ويضيف، "إن بعض مشاهده بدت أقرب إلى تجربة حقيقية منها إلى أداء تمثيلي"، مشيرا بشكل خاص إلى مشاهد الفنان السوري الراحل خالد تاجا، التي بقيت حاضرة في ذاكرة كثير من المشاهدين.
كما يرى البيروتي أن حضور المسلسل عاد بقوة خلال الحرب الأخيرة على قطاع غزة، خصوصاً مع تداول مقاطع من العمل على منصات التواصل الاجتماعي، ترافقها موسيقا الشارة الشهيرة، في ظل التشابه الذي رآه كثيرون بين مشاهد النزوح والخيام في غزة اليوم، وتلك التي قدّمها المسلسل عن نكبة عام 1948.
ويقول، "التغريبة الفلسطينية من أقوى الأعمال الدرامية التي تناولت النكبة، وربما الصراع العربي الإسرائيلي عموما".
ويرى نقاد أن المسلسل مثّل أحد أهم نماذج الدراما السورية التي استطاعت تحويل التاريخ العربي الحديث إلى سردية بصرية طويلة الأمد، ليس فقط بسبب موضوعه، بل أيضاً نتيجة أسلوبه البطيء والهادئ، واعتماده على التفاصيل الصغيرة التي منحت شخصياته طابعاً إنسانياً معقداً وبعيداً عن التنميط.
وبعد أكثر من عقدين على إنتاجه، لا يزال مسلسل 'التغريبة الفلسطينية' حاضرا في النقاشات العربية، ليس بوصفه عملاً يوثق الماضي فقط، بل باعتباره سردية فنية تستعاد كلما عاد الفلسطينيون إلى مواجهة مشاهد التهجير والفقدان نفسها، التي لم تغادر ذاكرتهم منذ عام 1948.