دبلوماسية مغربية هادئة تدفع لصنع الحلول واطفاء الحرائق

في عالم يعيش حالة إنهاك سياسي ودبلوماسي، تبدو الرباط وكأنها تراهن على شيء مختلف: النفوذ عبر العقلانية، والحضور عبر التوازن، والسلام عبر الواقعية لا عبر إدارة الوقت الضائع.

في السياسة الدولية، لا تُقاس قوة الدول فقط بما تملكه من جيوش أو قدرات اقتصادية، بل بقدرتها على فهم تعقيدات الأزمات، وإنتاج حلول قابلة للحياة وسط عالم تتكاثر فيه النزاعات وتتآكل فيه الثقة بالمؤسسات الدولية. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة دعوة المغرب الأخيرة إلى إصلاح منظومة بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة.

فالتصريحات التي أطلقها وزير الخارجية ناصر بوريطة لم تكن مجرد ملاحظات تقنية على أداء البعثات الأممية، بل عكست فلسفة سياسية مغربية باتت أكثر وضوحاً خلال العقدين الأخيرين: الواقعية السياسية أهم من إدارة الأزمات، والحلول العملية أكثر جدوى من إدامة النزاعات تحت عناوين أممية مفتوحة بلا أفق.

العالم يعرف جيداً أن كثيراً من بعثات حفظ السلام تحولت مع الوقت إلى جزء من الأزمة نفسها. تدخل إلى مناطق النزاع تحت شعار "المرحلة الانتقالية"، ثم تبقى لعقود، بينما يتكيف الجميع مع "اللاحل". تتراجع الحرب أحياناً، لكن السلام الحقيقي لا يأتي. يصبح النزاع مجمداً لا منتهياً، وتتحول البعثة الدولية إلى ما يشبه إدارة دائمة للأزمة.

ومن هنا تبدو المقاربة المغربية مختلفة، فالمغرب لا ينظر إلى السلام باعتباره مجرد غياب للسلاح، بل باعتباره مساراً سياسياً يحتاج إلى وضوح وجرأة وواقعية. ولهذا شددت الرباط على ضرورة أن تكون مهام بعثات السلام محددة وقابلة للتنفيذ، وأن تخضع لمراجعة دورية، حتى لا تتحول إلى غطاء بيروقراطي يستهلك الوقت والموارد دون نتائج سياسية حقيقية.

هذه اللغة السياسية ليست جديدة على الدبلوماسية المغربية، فمن يتابع أداء الرباط خلال السنوات الماضية يلاحظ أن المملكة بنت نفوذها الإقليمي والدولي عبر ما يمكن وصفه بـ"الدبلوماسية الهادئة". لا ضجيج سياسياً، ولا اندفاعاً شعبوياً، بل عمل طويل النفس يعتمد على التراكم وبناء الثقة واستثمار الاستقرار الداخلي في توسيع الحضور الخارجي.

وربما كانت التجربة المغربية في القارة الإفريقية المثال الأوضح على ذلك، فعندما عاد المغرب إلى الاتحاد الإفريقي عام 2017، منهيا سياسية الكرسي الشاغر، لم يتعامل مع العودة بوصفها انتصاراً رمزياً فقط، بل حوّلها إلى مشروع نفوذ اقتصادي وتنموي وروحي داخل القارة. استثمر في البنوك والزراعة والطاقة والأسمدة، ووسّع حضوره الديني عبر تكوين الأئمة، وطرح نفسه شريكاً للاستقرار لا مجرد لاعب سياسي عابر.

وفي ملف ليبيا مثلاً، اختار المغرب أن يتحرك من منطقة الحوار لا الاصطفاف، فبعد الانقسام الحاد الذي شهدته ليبيا بين حكومتين وقوى مسلحة متصارعة عقب سقوط نظام القذافي، استضافت المملكة عام 2015 جولة حوارات انتهت باتفاق الصخيرات برعاية أممية، في محاولة لجمع الأطراف الليبية حول حكومة موحدة ومسار سياسي يوقف الانقسام والحرب. ورغم أن الاتفاق واجه لاحقاً عراقيل بسبب التدخلات الخارجية وتعقيدات الداخل الليبي، فإنه ظل يُنظر إليه كأهم محاولة سياسية جادة لإعادة بناء التوافق بين الليبيين عبر الحوار لا السلاح.

الأمر نفسه يمكن ملاحظته في طريقة إدارة المغرب لعلاقاته المعقدة مع أوروبا وإفريقيا والولايات المتحدة والعالم العربي في آن واحد، فالمملكة نجحت في الحفاظ على توازن دقيق بين الشراكات الاستراتيجية والمصالح الوطنية، دون أن تدخل في صدامات مجانية أو رهانات حادة قد تهدد استقرارها.

هذه المقاربة ترتبط إلى حد بعيد بالرؤية التي يقودها العاهل المغربي الملك محمد السادس، القائمة على فكرة أن النفوذ الحقيقي لا يُبنى بالشعارات، بل بالاستمرارية والبراغماتية والقدرة على قراءة التحولات الدولية بهدوء.

ولهذا يبدو حديث المغرب عن إصلاح بعثات السلام منسجماً مع تجربته السياسية أكثر من كونه مجرد موقف دبلوماسي عابر، فالمملكة التي شاركت لعقود في عمليات حفظ السلام الأممية، وقدمت آلاف الجنود في مناطق توتر مختلفة، تعرف جيداً الفجوة بين النظريات الأممية وتعقيدات الميدان.

وما يطرحه المغرب اليوم يكاد يكون تلخيصاً لتجربته السياسية: السلام لا يصنعه تجميد النزاعات، بل خلق مسارات سياسية واقعية تسمح للدول بالخروج من الأزمات تدريجياً، بعيداً عن الأوهام والشعارات المؤقتة.

في عالم يعيش حالة إنهاك سياسي ودبلوماسي، تبدو الرباط وكأنها تراهن على شيء مختلف: النفوذ عبر العقلانية، والحضور عبر التوازن، والسلام عبر الواقعية لا عبر إدارة الوقت الضائع، فالحكمة لا تكمن فقط في إيقاف الحروب أو إنهائها، بل في امتلاك ذلك الذكاء السياسي القادر على حفظ الكرامة وصناعة الحلول، دون السقوط في فخ الفوضى أو إدارة الأزمات إلى ما لا نهاية.