الهرم الأكبر.. هندسة فرعونية تتحدى الزلازل

دراسة مصرية رائدة في مجلة 'تقارير علمية' تكشف الأسرار الجيوتقنية لصمود هرم خوفو عبر أربعة آلاف وستمئة عام.

القاهرة ـ منذ أكثر من أربعة آلاف وستمئة عام، يقف الهرم الأكبر في هضبة الجيزة شامخا، يشهد على تعاقب الحضارات ويتحدى متغيرات الطبيعة والزمن. وعلى مرّ العصور، لطالما ظنّ العالم أن ضخامة الأحجار التي شيّده المصريون القدماء هي وحدها سر بقائه وصموده، غير أن دراسة علمية مصرية حديثة جاءت لتنسف هذه القناعة من جذورها، مثبتةً أن المصريين القدماء كانوا في واقع الأمر مهندسين في علم طبقات الأرض وميكانيكا التربة من الطراز الأول، طبّقوا مبادئ ديناميكية متقدمة تسبق عصرهم بآلاف السنين.

ونجح باحثون من المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في تحقيق إنجاز علمي عالمي، بعد نشر دراسة بحثية رائدة في مجلة 'تقارير علمية' التابعة لمؤسسة 'الطبيعة' العالمية، كشفت السر الهندسي والجيوتقني وراء صمود هرم خوفو أمام الزلازل لأكثر من 4600 عام.

وحظيت الدراسة بتغطية دولية واسعة من وكالة رويترز للأنباء، في اعتراف ضمني من المجتمع العلمي العالمي بأهميتها وعمقها. ضمّ الفريق البحثي المصري الدكتور محمد الجابري، والدكتور أيمن حامد، والدكتور هشام محمد حسين، والدكتور محمد مقلد، والدكتور عاصم سلامة، إلى جانب عالم الآثار الياباني الشهير ساكوجي يوشيمورا، المعروف بإسهاماته الكبيرة في دراسة الآثار المصرية واستكشاف الأهرامات.

ويمثّل اشتراك يوشيمورا في هذا الفريق ربطًا نادرًا بين علم قياس الاهتزازات الأرضية الحديث وعلم المصريات.

وقام العلماء بتقييم ديناميكيات هرم خوفو الهيكلية باستخدام أجهزة رصد وقياس الحركات الأرضية والاهتزازات. وكان الهدف تسجيل ما يُعرف بالاهتزازات المحيطة، وهي اهتزازات خفيفة ومستمرة ناتجة عن قوى الطبيعة والنشاط البشري، في 37 موقعًا داخل الهرم وحوله. وأظهر الهرم استجابة هيكلية متجانسة ومستقرة بشكل ملحوظ لهذه الاهتزازات على الرغم من حجمه وتعقيده.

ويقع الهرم في الجيزة ضمن نطاق القاهرة الكبرى، وهو مبني من كتل ضخمة من الحجر الجيري. يبلغ طول كل جانب من جوانبه الأربعة نحو 230 مترا عند القاعدة، ويغطي مساحة تبلغ نحو 13 فدانا.

كان ارتفاعه في الأصل نحو 147 مترا، غير أن عوامل التعرية الطبيعية وإزالة أحجار الغلاف الخارجي الناعمة منذ قرون لاستخدامها في البناء تركت الهرم بارتفاعه الحالي البالغ نحو 138.5 مترًا.

وأثبتت الدراسة أن الهرم مصمَّم بتردد اهتزازي متجانس بمتوسط 2.3 هرتز، يختلف تمامًا عن تردد التربة الصخرية المحيطة به البالغ 0.6 هرتز. هذا الاختلاف العبقري يمنع كليًّا تضخيم الموجات الزلزالية عند اصطدامها بالمبنى. وهو ما يعني بلغة علم الزلازل أن الهرم لا «يتردد صداه» مع الأرض التي يقف عليها، فيتجنب بذلك أشد تأثيرات الزلازل فتكًا بالمباني.  

ولطالما ظنّ الباحثون أن غرف تخفيف الضغط صُمِّمت فقط لتوزيع وزن الأحجار فوق غرفة الملك، لكن القياسات أثبتت أنها تعمل كمبدِّد ومخمِّد فاعل للطاقة الزلزالية، إذ يقل التضخيم الزلزالي بداخلها بشكل ملحوظ

ويجعل تصميم الهرم وتوزيع كتلته يتصرف ككتلة ديناميكية واحدة تلغي أي قوى التواء مدمِّرة أثناء الهزات الأرضية. وهذا ما يفسر غياب التشققات الهيكلية الكبرى رغم قرون من النشاط الزلزالي في المنطقة.

قال الدكتور محمد الجابري، المؤلف الرئيسي للدراسة، إن هذه العناصر تشكّل معا هيكلا متوازنًا ومتماسكا. وأضاف زميله الدكتور عاصم سلامة أن البناة في مصر القديمة كانوا يمتلكون معرفة عملية تتعلق بالاستقرار وسلوك الأساسات وتوزيع الكتلة ونقل الأحمال. وتكشف هذه الشهادة عن حقيقة جوهرية: ليس الأمر مجرد حظ أو ضخامة عشوائية، بل وعي هندسي حقيقي بتصرف المواد والتربة تحت الأحمال والاهتزازات.

لا تظل هذه النتائج حبيسة المختبرات والأرقام؛ فالهرم الأكبر اجتاز اختبارات حقيقية وقاسية على مدى قرون. إذ نجا من زلزال عام 1847 وزلزال عام 1992 الذي ضرب القاهرة بقوة بلغت 5.8 درجة على مقياس ريختر، وأوقع مئات القتلى في المدينة، في حين لم يُسجَّل في الهرم سوى أضرار طفيفة ومحدودة، وهو تناقض صارخ يؤكد فعالية تصميمه المعماري.

وأثبتت الدراسة الحديثة، أن المصريين القدماء كانوا مهندسين في علم طبقات الأرض من الطراز الأول، طبّقوا مبادئ ديناميكية تسبق عصرهم بآلاف السنين. وتفتح هذه النتائج آفاقًا واعدة أمام المهندسين المعاصرين لاستلهام مبادئ البناء الفرعوني في تصميم ناطحات السحاب والجسور والمنشآت الحيوية في المناطق المعرّضة للزلازل.

وتُعزز هذه الدراسة جهود الحفاظ على الإرث الإنساني، لأن فهم آليات صمود الأهرامات يمكّن العلماء من وضع استراتيجيات حديثة لحمايتها من التغيرات المناخية والكوارث الطبيعية في المستقبل

يبقى الهرم الأكبر درسا خالدا لا في الهندسة والعمارة وحدهما، بل في قدرة الإنسان على فهم الطبيعة والتناغم معها. فما أراد القدماء أن يكون مقبرة ملكية، شيّدوه بلا قصد مسبق على قواعد علمية لم يكتشف البشر صياغتها الرياضية إلا بعد آلاف السنين.