التوترات الإقليمية تُعيد 'الناتو' إلى العراق بصيغة جديدة

جنرال فرنسي يكشف أن العودة المحتملة للناتو إلى العراق لن تكون بالعدد ذاته، بل بقوة أصغر وأكثر تخصصا.

بغداد - يدرس حلف شمال الأطلسي "الناتو" إعادة بعثته إلى العراق بصيغة مختلفة، بعد أشهر من سحبها ونقلها إلى إيطاليا. ويعكس هذا التوجه إدراكا متزايدا داخل الحلف لأهمية العراق في معادلة الأمن الإقليمي، ليس فقط باعتباره ساحة لمواجهة التنظيمات المتطرفة، بل أيضا لما يشكله من نقطة ارتكاز أساسية في احتواء تداعيات الصراع بين إيران والولايات المتحدة.

وقال الجنرال الفرنسي كريستوف إنتسي، الذي سلّم قيادة البعثة هذا الأسبوع إلى الإسباني رامون أرمادا، إن العودة المحتملة للناتو إلى العراق لن تكون بالعديد ذاته، بل بقوة أصغر وأكثر تخصصا، مع احتمال تغيير شكل المهمة خلال عام أو 18 شهرا.

ويشير هذا التصريح إلى أن الحلف لا يفكر في استعادة حضوره السابق بالصيغة التقليدية، بل يتجه نحو نموذج أخفّ يعتمد على التدريب والاستشارات والدعم التقني، بما ينسجم مع التحولات الأمنية والسياسية التي يشهدها العراق والمنطقة.

وتأسست بعثة "الناتو" في العراق عام 2018 بطلب من بغداد، بعد إعلان هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" عسكريا، بهدف تدريب القوات العراقية وتطوير المؤسسات الأمنية والعسكرية، بعيدا عن الأدوار القتالية المباشرة. لكن تصاعد التوترات الإقليمية، وخصوصا بعد اندلاع الحرب على ايران واتساع المخاوف من استهداف المصالح الغربية، دفع الحلف إلى تقليص حضوره ونقل جزء كبير من نشاطه إلى خارج العراق أواخر مارس/آذار الماضي.

وتكشف المناقشات الحالية داخل "الناتو" عن قناعة متزايدة بأن الانسحاب الكامل من العراق قد يخلق فراغا أمنيا تستفيد منه الجماعات المسلحة والتنظيمات المتطرفة، في وقت لا تزال فيه البلاد تواجه تحديات معقدة، من بينها نشاط خلايا "داعش" وانخراط الميليشيات الموالية لإيارن في الصراع مع واشنطن.

ويرى مراقبون أن عودة  الحلف المحتملة تأتي أيضا في سياق أوسع يتعلق بإعادة ترتيب الانتشار الغربي في الشرق الأوسط، بعدما أظهرت الحرب الأخيرة هشاشة البنية الأمنية الإقليمية، وتهديد خطوط الملاحة والطاقة، فضلا عن اتساع نطاق الهجمات التي طالت قواعد ومصالح أميركية وغربية في العراق وسوريا.

ويحاول "الناتو" إيجاد صيغة توازن بين الحفاظ على حضوره الاستراتيجي في العراق وتجنب الانخراط المباشر في أي مواجهة إقليمية واسعة، خاصة في ظل تنامي الحساسية العراقية تجاه أي وجود عسكري أجنبي.

ومنذ سنوات، يثير ملف القوات الأجنبية جدلا واسعا داخل العراق، حيث تطالب فصائل سياسية ومسلحة مقربة من إيران بإنهاء الوجود العسكري الغربي بشكل كامل، معتبرة أنه يمسّ بالسيادة الوطنية، بينما ترى أطراف أخرى أن الدعم الدولي لا يزال ضروريا لمنع عودة التنظيمات المتشددة ولتطوير قدرات الجيش العراقي.

وفي هذا السياق، تبدو عودة بعثة "الناتو" بصيغة مصغّرة محاولة لتفادي الصدام مع القوى الرافضة للوجود الأجنبي، عبر التركيز على المهام الاستشارية والتدريبية وتقليص الظهور العسكري المباشر.

كما أن الحلف يدرك أن البيئة الأمنية في العراق لم تعد كما كانت قبل سنوات، إذ باتت القواعد العسكرية الأجنبية أكثر عرضة للهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ، في ظل اتساع نفوذ الجماعات المسلحة المرتبطة بمحور إيران، وتزايد احتمالات انتقال التوتر الإقليمي إلى الداخل العراقي.

ويعتقد محللون أن أي عودة للناتو ستكون مرتبطة أيضا بموقف الحكومة العراقية الجديدة وقدرتها على التوفيق بين علاقاتها مع الغرب وضغوط القوى الموالية لإيران. في وقت تحاول فيه بغداد اتباع سياسة توازن دقيقة، تمنع تحول البلد إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين القوى الدولية والإقليمية.

وتعكس إعادة النظر في مستقبل بعثة "الناتو" إدراكا غربيا بأن العراق لا يزال يحتفظ بموقع محوري في معادلة الأمن الإقليمي، سواء بحكم موقعه الجغرافي الرابط بين الخليج وسوريا، أو دوره في أسواق الطاقة، وباعتباره إحدى الساحات الأساسية للتنافس الأميركي الإيراني.

ورغم أن "الناتو" يؤكد أن مهمته في الساحة العراقية غير قتالية، فإن تطورات المنطقة تجعل أي وجود غربي عرضة للتأثر السريع بالتحولات السياسية والعسكرية. ولذلك يبدو أن الحلف يتجه إلى نموذج أكثر حذرا، يقوم على الانتشار المحدود والمرن، مع إمكانية إدارة جزء من العمليات والتنسيق من خارج العراق.