العرب يحضرون بتراثهم في مهرجان الرياضات التقليدية

مشاركات العربية تضفي نكهة على المهرجان في إسطنبول حيث امتزجت الفروسية بالرماية والرقصات الشعبية في لوحة ثقافية عالمية.

أنقرة ـ في مطار أتاتورك بإسطنبول، الذي تحوّل إلى فضاء ثقافي ورياضي استثنائي، اختتمت الاحد فعاليات اليوم الرابع والأخير من مهرجان 'الرياضات التقليدية' الثقافي الثامن.

وعلى مدار أربعة أيام، اجتمع رياضيون وفنانون وحرفيون من أكثر من عشرين دولة، ليقدموا عروضا تجسّد ذاكرة الشعوب وتعيد الاعتبار لرياضات وألعاب كانت يومًا جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية.

وانطلق المهرجان في دورته الأولى قبل ثماني سنوات بمبادرة تركية تهدف إلى إحياء الموروث الرياضي للشعوب في مواجهة موجة العولمة المتسارعة. وقد نما المهرجان دورة بعد دورة، ليتحوّل من فعالية محلية إلى ملتقى دولي يستقطب المشاركين من آسيا الوسطى وأوروبا والشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

في دورته الثامنة، اتسمت الفعاليات بالتنوع الاستثنائي؛ إذ شملت بطولات رسمية في الرماية والفروسية، وورش عمل تعليمية في الحرف اليدوية، وعروضًا فنية تمزج بين الرقص والموسيقى التقليدية، فضلًا عن جلسات نقاش أكاديمية حول مستقبل التراث غير المادي في العصر الرقمي.

واختير مطار أتاتورك القديم موقعا للمهرجان لما يختزنه من رمزية عميقة؛ فهذا الفضاء الشاسع الذي كان يومًا بوابة تركيا إلى العالم، بات اليوم ساحةً تتلاقى فيها الحضارات ويُعاد فيها تعريف العلاقة بين المكان والهوية.

وبرز الحضور العربي بشكل خاص في هذه الدورة، إذ شاركت المغرب والجزائر وفلسطين في تقديم عروض رياضية وثقافية تعكس غنى التراث العربي وتنوعه.

وقدّم الوفد المغربي عروضًا في الفروسية التقليدية وفن 'التبوريدة'، امتزجت فيها القوة البدنية بالرمزية التاريخية للفارس العربي.

وتُعدّ التبوريدة -المُدرجة على قائمة اليونسكو للتراث غير المادي منذ عام 2021- طقسا اجتماعيا راسخا يعكس علاقة الإنسان بالأرض والقبيلة، لا مجرد استعراض بصري.

وكشف الوفد المغربي عن مساعٍ جارية لتحويل التبوريدة إلى رياضة منظمة تُدرَج في المهرجانات الدولية وفق معايير موحدة.

وعرضت الجزائر فنون الرماية التقليدية بأدواتها الموروثة وتقنياتها العريقة، وهي رياضة تحمل في الموروث الشعبي الجزائري دلالات عميقة تتعلق بالشجاعة والانتماء والدفاع عن الأرض، وقد شدّت عروضها أنظار الجمهور المتنوع الذي أبدى إعجابه بدقة الأداء وعراقة الأسلوب.

وجسّدت فلسطين حضورها عبر الحرف اليدوية والرقصات الشعبية، في رسالة ثقافية واضحة مفادها أن الهوية يمكن أن تُحفظ وتُقاوم عبر الفن والإبداع.

ويُستخدم التطريز الفلسطيني والحرف التقليدية اليوم وسيلةً للتنمية الاقتصادية ودعم المجتمعات المحلية في ظل الظروف الصعبة.

وكان اختيار إسطنبول لأنها تجلس على حدود قارتين وتتنفس من ثقافتين، تُجسّد بطبيعتها فلسفة المهرجان القائلة بأن التراث ليس ملكًا لشعب بعينه، بل ذاكرة إنسانية مشتركة.

وهكذا التقت الفروسية العربية بألعاب الكابادي الهندية، وتجاورت الرماية الجزائرية مع فنون الكيندو الياباني وألعاب الصراع الكازاخية التقليدية.

وشكل المهرجان مساحةً تفاعلية حقيقية؛ إذ أتيح للزوار تحت إشراف مختصين تجربة ركوب الخيل والرماية وتعلّم تقنيات الحرف اليدوية.

وقد أضفى هذا البعد التشاركي على الفعالية طابع التعليم بقدر ما هو ترفيه، وشكّل للمشاركين العرب فرصةً ذهبية لتعريف الجمهور العالمي بتراثهم بصورة مباشرة وحية.

وخُصّصت جلسات نقاشية لمعالجة أسئلة مستقبلية محورية: كيف يمكن لهذه الرياضات أن تصمد في زمن الهيمنة الرقمية؟ وكيف تجد الحرف اليدوية مكانًا في عالم الإنتاج الصناعي الكبير؟ وقد أجمع المشاركون على أن الإجابة تكمن في المزج بين الأصالة والابتكار، لا في الاختيار بينهما.

ومع إسدال الستار على هذه الدورته ، أثبت مهرجان 'الرياضات التقليدية' أنه بات ركيزةً ثقافية راسخة في المشهد الدولي. فالحضور العربي الذي جمع بين فروسية المغرب ورماية الجزائر ورقصات فلسطين لم يكن مجرد مشاركة احتفالية، بل كان إعلانًا صريحًا بأن الهوية العربية حاضرة وحية، وأن التراث -حين يُصان ويُوظَّف بوعي- يمكن أن يكون أداةً للتجديد والتنمية، لا مجرد إرث يُعرض في المتاحف.