هل يستطيع الإنسان أن يحب الحقيقة أكثر من حاجته إلى القبيلة؟
لا يتحرك محمد بن جماعة في كتابه "بين الوحي والتأويل" الذي كتبه بوصفه تمريناً فكرياً بارداً، بل بوصفه محاولة لتشخيص العطب العميق الذي أصاب الوعي الإسلامي حين اختلط "الوحي" بـ"التأويل"، وحين تحوّلت القراءات البشرية إلى مراكز سلطة تتغذى من قداسة النص دون أن تكون هي النص نفسه. ف محمد بن جماعة وضعنا أمام مشروع يريد أن ينتزع الدين من قبضة الهويات المغلقة، ويعيده إلى مركزه الأول وهو الوحي بوصفه أصلًا مؤسساً، لا مادة خاماً لإنتاج الطوائف.
لكن أهمية الكتاب لا تكمن فقط في دفاعه عن "التعايش" أو نقده لـ"التطرف"، فهذه عناوين استُهلكت حتى فقدت كثيراً من معناها، بل تكمن في أنّه يحاول أن يعيد تعريف الطائفية ذاتها. فالطائفية إذاً ليست مجرد كراهية متبادلة بين جماعات، وليست مجرد خلاف عقائدي أو فقهي، بل هي ـ كما يعرّفها محمد بن جماعة ـ "انتقال الولاء من القيم إلى العصبية"، وتحويل الاختلاف في الفهم إلى معيار للنجاة والانتماء والعداوة. هذا التعريف وحده يكشف أنّ الكتاب لا يتحرك داخل أفق الوعظ، بل داخل أفق تحليل بنيوي للوعي الديني والسياسي معاً.
في هذا الكتاب، يشعر القارىء أن المشكلة الحقيقية ليست في تعدد التأويلات، بل في اللحظة التي "يتحوّل فيها الشرح إلى متن"، أو كما يقول الكاتب "حين يتحوّل الهامش إلى متن جديد، وتتحوّل القراءة إلى دين مواز". هذه الجملة ليست مجرد استعارة بلاغية، إنها مفتاح المشروع بأكمله. لأن الكاتب يرى أن أخطر ما حدث في التاريخ الإسلامي لم يكن اختلاف العقول في فهم النص، بل نسيان أن هذا الفهم نفسه فعل بشري محدود. وبهذا يبدأ التأويل باستعارة سلطة الوحي، ويبدأ الإنسان في عبادة شرحه وهو يظن أنه يعبد الله. وبين "الأصل المؤسس" و"الاجتهاد البشري". ولذلك يعرّف الدين بأربع لبنات مركزية وهي الوحي، والإيمان، والرسالة، والميزان الأخلاقي. وما بعد ذلك ـ من مذاهب ومدارس وتفريعات ـ يدخل في طبقة الفهم التاريخي لا في طبقة التأسيس الإلهي. ولهذا يصر الكاتب على أنّ "المذهب" ليس ديناً، بل "منظومة معرفية لفعل فهم وتطبيق مقيدين بالزمان والمكان". هذه النقلة المعرفية شديدة الأهمية، لأنها تنزع عن المذهب صفة التمثيل النهائي للإسلام، وتعيده إلى حجمه الطبيعي في قراءة قابلة للمراجعة.
غير أن محمد بن جماعة لا يكتفي بهذا التفريق النظري، بل يحاول بناء "ميزان" يراجع به المذاهب والخطابات جميعاً. وهنا تظهر فكرة "اختبار النحل 90" المستلهمة من الآية القرآنية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ…﴾. اللافت أن الكاتب لا يتعامل مع الآية بوصفها موعظة، بل بوصفها "أداة تشغيلية" لفحص الخطاب الديني والسياسي. أي أن السؤال لم يعد: هل خطابك ينتسب إلى التراث؟ بل: ماذا يفعل خطابك بالناس؟ هل ينتج عدلًا أم بغياً؟ هل يحفظ الكرامة أم يصنع الاحتقار؟
كما ينتقل المشروع من "لاهوت الحقيقة" إلى "أخلاق الأثر". وهذه نقلة فكرية ضخمة داخل المجال الإسلامي، لأن كثيراً من الصراعات المذهبية قامت على سؤال: "من يملك الإسلام الصحيح؟" بينما ينقل الكاتب مركز الثقل إلى سؤال آخر: "ما أثر هذا الفهم في الإنسان والمجتمع؟". ولذلك يقول بوضوح: "نحن لا نحاكم نية المؤوّل ولا أحقية انتمائه، بل نحاكم الخطاب الذي يرفعه والأثر الذي يخلّفه". بهذا المعنى، لا يصبح المعيار هو الانتماء بل المآل، ولا الشعار بل النتيجة.
لكن هنا تحديداً تبدأ أعقد مناطق المشروع وأكثرها إثارة فلسفية. فالكاتب يعترف بوضوح أن "معاييره نفسها تأويل". وهذه نقطة شديدة الأهمية؛ لأنه لا يقع في وهم الحياد المطلق. إنه يدرك أن كل فهم يمر عبر الإنسان، وأن حتى "العدل" و"الإحسان" مفاهيم تحتاج إلى تفسير. لكنه يحاول أن يتجاوز هذا المأزق عبر شرطين أساسيين: القابلية الدائمة للمراجعة، وإمكان ترجمة المعيار إلى "لغة عمومية" يفهمها حتى المخالف دينياً. أي أن العدل ـ عنده ـ ليس قيمة مغلقة داخل الجماعة، بل معيار يمكن اختباره في الواقع عبر أثره على الكرامة والحقوق.
ومع ذلك، يبقى السؤال الفلسفي الكبير معلقاً فوق النص كله وهوهل يمكن فعلًا بناء "ميزان فوق مذهبي" دون أن يتحول هذا الميزان نفسه إلى مذهب جديد؟ فكل مشروع أخلاقي يحتاج إلى سلطة معيارية ما، وكل سلطة معيارية معرضة مع الزمن لأن تتحول إلى مؤسسة مغلقة تدافع عن نفسها. الكاتب يحاول تفادي هذا الفخ عبر الإصرار على أن المعيار ليس حاكماً على الضمائر بل على "المآلات"، لكن التاريخ يعلمنا أن كل معيار أخلاقي قابل لأن يتحول إلى أرثوذكسية جديدة. وهنا تكمن المعضلة العميقة للمشروع: إنه ينجح في تفكيك "المطلق الطائفي"، لكنه لا يستطيع الهروب كلياً من الحاجة إلى مطلق معياري يزن به الجميع.
ولعل أكثر ما يميز الكتاب هو أنه لا يتعامل مع الطائفية بوصفها مجرد خلل عقدي، بل بوصفها نظاماً اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً متكاملًا. ولذلك يقدّم مفهومين بالغَي الأهمية: "رأسمالية الطائفة" و"أمننة الطائفة". هنا يتجاوز محمد بن جماعة المقاربة الأخلاقية الساذجة، ويدخل إلى قلب البنية الحديثة للطائفية. فالطائفة لا تعيش فقط على النصوص، بل على شبكات التمويل والوظائف والمنابر والإعلام والخوف الجماعي. وحين تتحول الهوية إلى مصدر رزق وحماية وشرعية، يصبح الانتماء أقوى من البرهان.
إن وصفه لـ"رأسمالية الطائفة" من أكثر أجزاء الكتاب عمقاً، لأنه يكشف كيف تُعاد هندسة المجتمع حول الولاء المذهبي: وظائف، منح، منابر، مؤسسات، شبكات أمان، اقتصاد سمعة، إعلام تعبوي. إذ لا يصبح الدفاع عن الطائفة مجرد موقف فكري، بل شرط بقاء اجتماعي واقتصادي. ومن يخرج عن "السردية الرسمية" لا يعاقب بالحجة بل بالعزل والإقصاء. هذه قراءة حديثة جداً للطائفية، لأنها تفهمها كبنية مصالح لا كمجرد نزاع لاهوتي.
أما "أمننة الطائفة" فهي الوجه الآخر للعملية. حين تنهار الدولة أو تضعف، تتحول الهوية إلى جهاز أمن بديل. ويبدأ الناس في تعريف بعضهم لا بوصفهم مواطنين أو بشراً، بل بوصفهم "خطراً محتملًا". عندها تصبح الشعائر والرموز واللغة علامات عبور، ويصبح الخطاب الأكثر تطرفاً هو الأكثر قدرة على الحشد لأنه يَعِد بالحماية. بهذا يشرح بن جماعة كيف يتحول "التكفير العملي" إلى آلية اجتماعية يومية دون حاجة إلى إعلان رسمي بالتكفير. قد لا يقول أحد إن الآخر "كافر"، لكن الصلاة خلفه تُرفض، والزواج منه يُمنع، والثقة به تُسحب. وهكذا يُعاد رسم حدود النجاة في الحياة اليومية لا في كتب العقائد فقط.
إن من أخطر أفكار النص أيضاً أنه يميز بين "الاختلاف المشروع" و"الانفكاك عن الأصل المؤسس". فهو لا يقع في فخ التكفير الشامل، ولا في فخ التمييع الكامل. ولذلك يبني "طيفاً متدرجاً" يبدأ من الاختلاف الفقهي الطبيعي، ويمر بالخلافات العقائدية الحادة داخل الإطار الإسلامي، ثم يصل إلى الحالات التي تمس التوحيد أو ختم النبوة أو اكتمال الرسالة. هذه المحاولة لضبط الحدود تكشف أن الكاتب لا يدعو إلى نسبية مطلقة، بل إلى معيارية منضبطة تمنع الانقسام دون أن تلغي إمكان النقد.
لكن اللافت في كتابه أنه يوجّه نقده إلى الجميع بلا استثناء. فهو لا يحمّل مذهباً بعينه مسؤولية الطائفية، بل يرى أن "الآلية واحدة وإن اختلفت الأسماء. التكفير العملي موجود عند السنة كما عند الشيعة، وعند السلفي كما عند الصوفي، وعند المؤسسة كما عند الجماعة الثورية. وهذا ما يمنح المشروع قدراً من الاتساق الأخلاقي، لأنه يرفض استخدام "الميزان" كسلاح ضد طرف واحد.
ومع ذلك، فإن الكتاب يحمل في داخله نزعة واضحة نحو "الإسلام ما بعد المذهبي". فهو لا يريد إلغاء المذاهب، لكنه يريد نزع مركزيتها النهائية. يريد إعادتها كلها إلى مرتبة "الشرح". لكن السؤال الذي يفرض نفسه وهو هل يستطيع الإنسان أن يعيش دينياً دون هوية صلبة؟ فالتاريخ يخبرنا أن البشر لا يكتفون بالنصوص المجردة، بل يحتاجون دائماً إلى جماعات ورموز وسرديات تمنحهم المعنى والانتماء. ولهذا فإن أخطر ما يواجه المشروع ليس نقد الطائفيين له، بل احتمالية أن يتحول هو نفسه مع الزمن إلى "مذهب أخلاقي جديد" له رموزه وحدوده ومصطلحاته الخاصة.
وربما تكمن فرادة الكتاب في أنه صادر عن عقلية ليست فقهية تقليدية. الكاتب متأثر بوضوح بعالم الحوكمة والأنظمة وإدارة التنوع. لذلك فهو لا يفكر بعقلية "الفرقة الناجية"، بل بعقلية: كيف نبني مجتمعاً يعمل رغم الاختلاف؟ وهذا يفسر لغته المليئة بمفاهيم مثل: "الميزان التشغيلي"، "المآلات"، "الإجراءات القابلة للقياس"، "إدارة الاختلاف"، "التحليل البنيوي". إننا أمام محاولة لترجمة خبرة الدولة الحديثة والتعددية المدنية إلى لغة إسلامية داخلية.
لكن هذا أيضاً يكشف أحد حدود المشروع. فهو قوي جداً في تحليل الخطاب والهوية، لكنه أقل حدة في تحليل السلطة السياسية نفسها. فالطائفية ليست فقط خللًا معرفياً، بل كثيراً ما تكون أداة حكم وإدارة خوف وتوزيع مصالح. الدولة نفسها قد تصنع الطائفة لأنها تحتاجها. والنص ـ رغم وعيه الجزئي بذلك ـ لا يمنح هذه البنية السلطوية المساحة نفسها التي يمنحها لتحليل التأويل والخطاب.
ومع ذلك، تبقى القيمة الكبرى لهذا المشروع أنه يعيد فتح السؤال الذي حاولت الطوائف إغلاقه منذ قرون: ما الذي يبقى من الدين إذا أزلنا طبقات الهوية والخوف والمصلحة؟ ما الذي يبقى إذا توقف البشر عن عبادة شروحهم؟ وهل يمكن فعلًا أن يعود الوحي مركزاً أعلى من الجماعة؟
في نهاية مقالي هذا الذي حاولت قدر الإمكان الإختزال فيه لا يمنحنا محمد بن جماعة راحة اليقين، بل يضعنا أمام مرآة قاسية. إنه يقول للمؤمن: قد تكون المشكلة ليست في النص الذي تدافع عنه، بل في اللحظة التي جعلت فيها نفسك أو جماعتك وصياً نهائياً عليه. وقد يكون أخطر الأصنام ليس صنم الحجر، بل صنم التأويل حين يلبس ثوب القداسة. والسؤال الذي يفرض نفسه السؤال ويتركه بن جماعة مفتوحاً كجرح فكري لا يريد أن يلتئم. إذا كان كل مذهب معرّضاً لأن يتحول إلى "دين مواز"، فهل يستطيع الإنسان حقاً أن يحب الحقيقة أكثر من حاجته إلى القبيلة؟