دمشق تحتفي بعودة الحجاج بطقوس تراثية
دمشق- مع اقتراب عودة 'ضيوف الرحمن'، تستعيد المناطق السورية طقوسا اجتماعية عريقة تفيض بالمحبة والفرح، حيث تتحول لحظة الوصول إلى احتفال جماعي يشارك فيه الأهالي والجيران.
واحتفاء بهذه المناسبة تتزين البيوت والشوارع بعبارات الترحيب وأغصان السرو وسعف النخيل، في مشهد يعكس عمق الارتباط الروحي والاجتماعي بهذه المناسبة، ورغم تغير وسائل السفر وتطور الزمن، لا تزال هذه التقاليد حاضرة بقوة في الذاكرة الشعبية السورية، محافظةً على طابعها التراثي المتوارث عبر الأجيال.
تذكر الباحثة نجوى بهجت قصاص في دراستها المعنونة، 'شعر مواكب الحج في العصر العثماني'، والمنشورة بمجلة بحوث جامعة إدلب، أن تقاليد استقبال الحجاج في سوريا تعود إلى العهد العثماني، حين كانت دمشق محطة رئيسية في طريق الحج الشامي، وكانت قوافل الحجاج تنطلق منها في رحلات طويلة وشاقة عبر الصحاري، يرافقها ما عُرف بـ'المحمل الشامي'، وسط مخاطر السفر وبعد المسافات، ما جعل عودة الحاج حدثاً استثنائياً ينتظره الناس بشغف كبير.
وكان الحاج يحظى بمكانة اجتماعية وروحية خاصة، إذ تُقام له الاحتفالات وتُزين الطرقات ابتهاجاً بعودته سالماً، واليوم، ورغم سهولة طرق السفر الحديثة، لا تزال العادات ذاتها مستمرة، من تزيين المنازل والأحياء إلى قرع الطبول وتوزيع الحلوى وإنشاد الأهازيج الشعبية، في مشهد يعكس تمسك السوريين بذاكرتهم التراثية، وحرصهم على تعزيز روابط المحبة والتكافل.
تحولات الزينة
قبل وصول الحاج بأيام، تبدأ التحضيرات في الحيّ والبيت معا، حيث تُعلق الزينة على الأبواب والشرفات، وتُزين المداخل بأغصان السرو وسعف النخيل بوصفها رمزا للبركة والسلام، إلى جانب عبارات التهنئة مثل 'حجا مبرورا وسعياً مشكورا'، وصور الكعبة المشرفة والأنوار الملونة.
وفي الماضي، كانت هذه الزينة تُصنع يدويا من الورق والأقمشة البسيطة، ويتشارك الجيران في إعدادها بروح جماعية تعبّر عن الألفة والتعاون، بينما دخلت اليوم وسائل حديثة كالمصابيح الكهربائية واللافتات الجاهزة، مع بقاء الرمزية الروحية والفرح الشعبي حاضرين كما هما.
ويشير الباحث في التراث الشعبي مازن ستوت في تصريح لوكالة الأنباء السورية (سانا)، إلى أن بعض الطقوس القديمة كانت تتضمن زراعة شجرة سرو عند مدخل المنزل دلالة على عودة الحاج، إضافة إلى كتابة عبارات الترحيب والآيات القرآنية على الجدران، وهي ممارسات ارتبطت بالذاكرة البصرية الشعبية للحج في المجتمع السوري.
زفة الفرح والأهازيج
ما إن يصل الحاج حتى يتحول الحيّ إلى مساحة احتفال مفتوحة، تتعالى فيها التكبيرات والزغاريد، وترافقه فرق 'العراضة الشامية' بالطبول والمدائح الدينية حتى باب منزله، بينما تُرش الورود والأرز تعبيرا عن الطهارة والبركة واستقبال العائد بسلام، ويحتشد الأقارب والجيران وأبناء الحي لتحيته وتبادل التهاني والدعوات بقبول الحج، كما يحرص الأطفال على المشاركة في الاستقبال حاملين الورود والأعلام.
ويرى الباحث في التراث الشعبي مازن درويش، في تصريح مماثل، أن طقوس استقبال الحجاج، وخاصةً خلال الستينيات وما قبلها، كانت تشكل ضرورة اجتماعية تعكس عمق التضامن بين الأهالي، نظراً لأن الحج كان مقتصراً على القادرين مادياً، بسبب مشقته وتكلفته المرتفعة.
وأوضح درويش أن الأهالي كانوا يتوجهون جماعات إلى الحدود في درعا عند السفر برا، أو إلى مرفأ اللاذقية عند السفر بحراً، أو إلى المطار لاحقاً، لاستقبال الحجاج وتقديم كل أشكال الضيافة والمساندة، مبيناً أن رحلة الحج كانت تستغرق أكثر من شهرين، إضافةً إلى أيام السفر الطويلة على ظهور الإبل، ما كان يمنح عودة الحاج وقعاً استثنائياً يستحق كل هذا الاحتفاء الشعبي.
الولائم والضيافة
تُعد الولائم ركناً أساسياً من طقوس استقبال الحجاج في مختلف المناطق السورية، حيث تجتمع العائلة والأقارب والجيران حول موائد عامرة بالأطباق التقليدية، مثل المنسف والمشاوي والكبسة والكبة والمحاشي في المدن، إضافة إلى الثريد والفتّة والأكلات الريفية الشعبية في القرى والأرياف.
وفي كثير من المناطق، يُذبح الخروف ابتهاجاً بعودة الحاج سالما، ويُوزع جزء من اللحم على الفقراء والجيران، تعبيرا عن روح الصدقة والتكافل المرتبطة بهذه المناسبة المباركة، وتستمر الضيافة لأيام عدة مع توافد المهنئين، حيث تُقدم الحلويات العربية كالمعمول والبقلاوة والهريسة، إلى جانب التمر والقهوة العربية والمرطبات الشعبية، مثل التمر الهندي والعرقسوس والليمون.
ولا تقتصر هذه الموائد على الطعام فحسب، بل تتحول إلى مساحة للتلاقي وتبادل الأحاديث والدعوات، بما يعكس حرص المجتمع على مشاركة الفرح، وتعزيز أواصر المحبة.
الهدايا والبركة
ويحمل الحاج معه من الأراضي المقدسة هدايا رمزية يوزعها على الأهل والأقارب والجيران، مثل ماء زمزم وتمر المدينة والمسابح وسجادات الصلاة والعطور الشرقية كالعود والمسك، والمصاحف والهدايا الصغيرة للأطفال.
ويؤكد الباحث مازن درويش أن 'هدية الحج' تُعد جزءاً أساسياً من هذه الطقوس في المدن والقرى، وتشمل أيضاً الجلابيب وألعاب الأطفال، في تقليد اجتماعي يرمز إلى المودة ومشاركة البركة مع الآخرين، وتتجاوز قيمة هذه الهدايا بعدها المادي، لتصبح تعبيراً روحياً واجتماعياً يعزز المحبة والروابط الإنسانية بين الناس.
تجليات التكافل
تعكس طقوس استقبال الحجاج في المجتمع السوري مفهوما عميقا للتكافل والتشاركية، حيث يشارك الجميع في الفرح، ويتعاون الجيران والأقارب في تجهيز الاستقبال وتقديم الضيافة والمساعدة.
وأوضح الباحث مازن درويش أن هذه الطقوس شكّلت عبر عقود طويلة صورة حقيقية للتلاحم الاجتماعي، إذ كان الناس يتشاركون تجهيز 'المحمل' والزينة والطعام والهدايا، ويقدمون ما يُعرف شعبيا بـ'النقوط'، مثل السكر والأرز والسمن والخراف، دعماً لأهل الحاج ومشاركةً لهم في الفرحة.
وفي القرى والأرياف، كانت تُقام 'منازيل' كبيرة أمام بيت الحاج تُزين بأغصان السرو والصفصاف، ويتوافد إليها الأهالي حاملين الهدايا والمؤن، بينما يتولى أهل الحاج إعداد الطعام والقهوة والعصائر، وتقديم تمر المدينة وماء زمزم للضيوف.
طقوس متوارثة
يرى الباحث مازن ستوت أن طقوس استقبال الحجاج في سوريا تشكل امتدادا لتراث اجتماعي وثقافي متجذر، يبدأ بتجهيز المنزل وطلائه وتخصيص مكان لاستقبال المهنئين، مروراً بالأهازيج والزغاريد والرقصات الشعبية مثل 'السيف والترس'، وصولا إلى استقبال الحاج عند عتبة المنزل وسط حضور الأقارب والجيران والأصدقاء.
ويضيف ستوت، إن هذه الطقوس تؤدي دورا محوريا في تعزيز الهوية الثقافية السورية، من خلال ترسيخ قيم المحبة والتعاون والتكافل، وإحياء الموروث الشعبي المرتبط بالأناشيد الدينية والضيافة والاحتفالات الجماعية، بما يسهم في ربط الأجيال الجديدة بتراث أجدادهم.
كما تحمل هذه العادات بعدا تاريخيا وحضاريا يرتبط بمكانة سوريا بوصفها محطة رئيسية لانطلاق قوافل الحج الشامي، الأمر الذي رسّخ حضور الحج في الوجدان الشعبي السوري، بوصفه رمزاً للفخر والانتماء والذاكرة الثقافية المتوارثة.
ورغم التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدها المجتمع السوري خلال العقود الأخيرة، لا تزال هذه الطقوس حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية، بوصفها تعبيرا عن القيم الروحية والإنسانية التي تجمع الناس حول الفرح والمحبة.