أميمة الخليل في تجربة موسيقية عابرة للحدود
باريس ـ في تجربة فنية تجمع بين الشعر والموسيقى والصورة، أبصر النور مشروع غنائي جديد يحمل عنوان 'أن تخرس الطائرة'، يلتقي فيه صوت الفنانة اللبنانية أميمة الخليل بعالم الموسيقي الفلسطيني حبيب شحادة حنا، على نصوص الشاعر الفلسطيني مروان مخول، في محاولة جادة لإعادة تقديم القصيدة الفلسطينية بصيغة موسيقية معاصرة تكسر القوالب التقليدية وتفتح آفاقاً تعبيرية جديدة.
ويحمل هذا العمل في جوهره رسالة ثقافية واضحة المعالم، فقد جاء بدعم مباشر من وزارة الثقافة الفلسطينية ومؤسسة أجيال، في إشارة إلى وعي رسمي وأهلي بأهمية توثيق التجربة الشعرية الفلسطينية عبر الموسيقى، وصون هذا الإرث من الاندثار في ظل ظروف استثنائية تعيشها القضية الفلسطينية على أكثر من صعيد.
ويضم الألبوم سبع أغانٍ مستوحاة من قصائد مخول، هي، 'اليتيمة'، و'زلّة'، و'عنك'، و'من سيرة الأسير'، و'بلادي'، و'حيفا'، في توليفة تمزج بين العمق الشعري والبناء الموسيقي الحديث، محافظةً في الوقت ذاته على البعد الإنساني والوجداني الذي يميز شعر مخول، ذلك الصوت الفلسطيني الذي استطاع أن يحوّل التفاصيل اليومية للحياة تحت الاحتلال إلى نصوص شعرية تحمل كثافة وجدانية نادرة.
ما يميز هذا المشروع عن كثير من التجارب المماثلة هو طابعه الجماعي العابر للحدود؛ إذ شارك في إنتاجه فنانون فرنسيون وفلسطينيون إلى جانب جوقة موسيقية من مدينة حيفا، لتتشابك في نسيجه هويات ثقافية وفنية متعددة، دون أن يفقد عمله المركزي تماسكه أو يتشتت حول مرجعياته.
وقد تولى الموسيقي هاني سبليني مهمة الميكساج والماسترينغ، فأنتج هوية صوتية متجانسة تجمع بين الآلات الشرقية والبناء الموسيقي المعاصر في انسجام يعكس روح النصوص التي يحتضنها.
وتوزعت تسجيلات الصوت بين حيفا وبيروت وباريس، في ما يشبه البيان الفني الصريح بأن الثقافة الفلسطينية لا يمكن حصارها جغرافياً، وأن القصيدة الفلسطينية قادرة على أن تشق طريقها إلى العالم مهما تعددت العقبات.
ولم يكتفِ القائمون على المشروع بالبُعد السمعي وحده، بل أدرجوا فيه بُعدا بصريا موازيا، حيث قُدِّمت بعض الأعمال عبر الفيديو، فيما وُظِّفت تقنيات الغرافيك والذكاء الاصطناعي في أخرى، بتصميم الفنان سعد أحمد قعبور.
وتعكس هذه الخيارات التقنية وعياً فنياً متقدماً بأن الأغنية اليوم لم تعد حكراً على الأذن وحدها، بل باتت تجربة بصرية وحسية متكاملة تستدعي استحضار الصورة إلى جانب الكلمة واللحن.
لا يمكن قراءة هذا المشروع بمعزل عن تاريخ أميمة الخليل الفني الحافل. فهذه الفنانة اللبنانية التي بدأت مسيرتها منذ سن مبكرة، وارتبطت فنياً بالموسيقار اللبناني مارسيل خليفة منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، تمثل أحد أبرز الأصوات التي حملت الأغنية العربية نحو مساحات أكثر شعرية وإنسانية.
وعبر تعاونها الطويل مع خليفة، قدمت أعمالا باتت جزءا راسخا من الذاكرة الموسيقية العربية، كـ'أحن إلى خبز أمي' و'تصبحون على وطن'، وغيرها مما يختزن القضية الفلسطينية وجدانيا.
اليوم تعود الخليل عبر 'أن تخرس الطائرة' إلى ذات المنبع الذي أسّس لحضورها الفني، حاملةً صوتها الهادئ العميق إلى نصوص مروان مخول، في تجسيد لاستمرارية وعي فني رفض دائماً الانجراف نحو التجاري السهل.