لحم الأضحية من سُنّة الخليل إلى مائدة العيد

القيمة الحضارية والثقافية لثقافة الطبخ والمائدة عند العرب ترتبط بقيم الجود والكرم، وبأسياد مائدتهم التراثية من خبز وثريد ولحم، وتنوّع طرق إعدادها وأصنافها عبر التاريخ.
صلاح عبدالستار محمد الشهاوي
طنطا

لكل أمة عادات وتقاليد، تتصف بها، وتعرف بها، نبعت من بيئتها، وتبلورت مع الزمن، بعد قرون وأزمان، والأكل عادة، والعادة كيان حي في المجتمع، يتطوّر مع مرور الوقت، ويتأثر بما يطرأ على المجتمع من أمور تستجد، وكل جيل يضيف أو ينقص.

والأكل أو الطبخ هو أحد معايير الرصيد الحضاري. شأنه شأن الفن والكتابة. يوجد علي مدار تاريخ الإنسان. وكلما تعقدت أوصافه وتنوعت مكوناته كلما علا المعيار.

ولما كان العرب أهل كرم، توسّعوا في الأطعمة والمآكل في انتظار من يؤاكلهم، فقد كان الرجل منهم لا يأكل وحده ويمكث أياما جائعاً حتى يجد من يؤاكله ومنه قول الشاعر:

"إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له   أكيلاً فإني لست آكله وحدي".

لذا اجتهد العرب في تكثير الأيدي على الطعام، قال صلي الله عليه وسلم: "اجتمعوا على طعامكم يبارك لكم فيه"، وقال أنس رضي الله عنه: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأكل وحده، بل قال خير الطعام ما كثرت عليه الأيدي". وقالت العرب: إذا جمع الطعام أربعاً فقد كمل: إذا كان حلالا، وكثرت عليه الأيدي، وسمي الله على أوله، وحمد في آخره!.

فالجود والكرم من الصفات التي يبجلها العرب، وقد جاء الإسلام فأعلى مكانة الكرم والكرماء، والكرم من الصفات التي لا ترتفع حياة العربي والمسلم إلا بتوفره عنده، وعلى أوسع نطاق، فإذا ما ظهر في المجتمع شخص برزت فيه صفة الكرم تناقلت الرواة أخباره، لذا نجد تاريخ العرب في الجاهلية وفي الإسلام مليء بقصص الكرم المدهشة، وجوانب الجود التي وردت في التراث متعددة كلها تهدف إلى إدخال البهجة إلى النفوس، وإزالة الضائقة عن الأرواح. 

ويتجلي الجود في مظاهر عدة. الأخبار التي وردت في التراث عن ذلك كثيرة منها:

أنه كان في العرب الكثير من المطعمون الذين يكثرون الطعام للأضياف والحجيج.

قال ابن عباس: "كانت قريش تألف منزل أبي بكر لخصلتين، العلم والطعام، فلما أسلم أسلم عامة من كان مجالسه",

كان لعبدالله بن جدعان، جفنة ذات سعه فائقة، لا تخمد النار تحتها.

كان عروة بن الزبير، إذا كان أيام الرطب، ثلم حائطه، اذن للناس في أكله وحمله، وردد: "ما شاء الله لا قوة إلا بالله".

موائد الرحمن: من أبرز مظاهر المحبة والإخاء التي تتجلى بين الصائمين في شهر رمضان وتنتشر في جميع أرجاء الوطن الإسلامي، حيث يتسابق أهل الخير لنصب موائدهم ويستقبلون الفقراء وعابري السبيل، ويدعونهم إلى تناول الإفطار، فتتوحد المشاعر وترتفع الدعوات إلى الله.

ومن الثابت والمعلوم أن تنوع المائدة دليل علي رقي ذوق وموارد وحياة وحضارة الشعوب والمائدة العربية غنية بشتى أصناف الطعام وأطايبه، ولكن الخبز والثريد واللحم همأسياد المائدة العربية التراثية.

الخبز:

 كان ولا يزال سيد الموائد العربية. فالخبز معروف، يصنع من دقيق البر والشعير والذرة والقمح، قال الشاعر:

     لم يشتر الناس ولا باعوا      خيرا من الخبز إذا جاعوا.

وقال آخر:

    ألا ليت خبزا قد تسربل رائيا     وخيلا من البرني فرسانها الزبد.

واشتهر بين العرب نوع من الخبز يقال له الخشكنان وهو خبز يابس رقيق مطعم بالملح أقرب إلى ما يسمي اليوم بالبسكويت، قال الشاعر:

     يا خير ركب سلكوا طريقا      ويمموا مكة والعقيقا

    وأطعموا ذا الكعك والسويقا    والخشكنان اليابس الرقيقا.  

والعرب يأكلون الأخباز طرية ويابسة وأديمة وقفارا فيتعدد الخبز (عرف العرب في العصر العباسي سبعة أنواع من الخبز في حين لم يكن يعرف العالم كله سوي نوع واحد من الخبز، حتى المدن غير العربية القريبة من بغداد كأصبهان، لم تكن تتوافر موائدها إلاَّ علي بصل وثوم وباذنجان، وقثاء وزعرور من دون طبخ، أو معالجة مع خبز عادي) ويتنوع تعدد الأدم، ويبل الخبز بالماء فيؤكل مبروداً، تقبل عليه النسوة ليسمن، ويميل العرب إلى الخبز بأديم الشحم والإلية، كما يحبون دلكه بالسمن، فأشهى ما يكون الخبز أبيض من البر الأسمر ملبقاً بالسمن، ورغيفاً أديم شاة مشوية وصلاء وكركر وسنام وصناب، وأطيب ما يكون ثريداً.

الثريد:

اعتبر الثريد طعام العرب وسيد الأطعمة، والثريد من الثرد وهو الهشم والفت والكسر، ومنه قيل لما يهشم ويبل بالمرق وغيره ثريداً، وإذا كانت كلمة (المرق) تفيد الشيء الذي يمرق من اللحم، فإن غيره تحيل على شيء آخر يثرد به الخبز، فكلما كانت العرب تصنع الثريد من اللحم وعراقه والقديد، كانت تعالجه بالزيت والسمن وتتخذه من التمر، ولعلها تثرد الخبز بالزيت زمن الشدة

وهناك أنواع متعددة من الثريد عند العرب، منها الزريقاء، وثريد التمر، وثريد الرغيف والماء، وحسب المعاجم غالباً ما يكون الثريد من لحم، وقد أرخت كتب السيرة والمغازي للحياةاليومية بمكة، واشتركت في وصف طعام سادة قريش وأشرافها الذين كانوا يذبحون الجذور، ويثردون بمرقها الخبز طعاماً في مواسمهم ولأضيافهم، كما وصفت هذه المصادر ما كان يقدم للنبي وما كان يفضل من المآكل، وكان الثريدباللحم أكثر ما يهدى إليه، وأحسن ما يستطيب، فغدا الثريد الحجازي ثريد السادة والأشراف. وأضحى اللحم رمز الثريد يطلق عليه مجازاً حتى إن غاب اللحم من القدر، وجعل فيها عراقة أو القديد  أو الشحم، أو أغلي فيه الزيتأو اللبن أو الزبد أو السمن ليثرد به الخبز، لا يكون ذلك طعاماً آخر غير الثريد. إقترن الثريد في الثقافة الإسلامية بهاشم، فقيل أنه أول من ثرد الثريد، وتجمع المصادر أنه أتى بالدقيق والكعك من الشام، ولئن بدت رحلة هاشم إلى  الشام حدثاً تاريخياً، فهي لا تخلو من أبعاد رمزية، فرواية هشم الخبر تشير على رحلة سكان أرض لا زرع فيها أضناهم القحط فطلبوا شيئاً آخر غير ما تجود به إبلهم، ورغبوا في تحقيق حلم إبراهيم القادم من الشام، يدعو ابنه إلى تغيير عتبة بيته عساه ينعم بالحب والولد، قصد هاشم الشام حتى يأتي بالغرائر المملوءة خبزاً ودقيقاً، فيحقق أول خصب أهل مكة، فالخبز هو رمز لنشاط الإنسان وفعله في الطبيعة، وسيطرته عليها تثرده قريش، فتخرج العرب من البداوة إلى التحضر والتمدن، وتؤسس لثقافة جديدة، يكون الفضل كل الفضل فيها للأب (إبراهيم / قصي / هاشم) الذي جاء محمد صلى الله عليه وسلم من صلبه.

والثريد على بساطته كان في مقدمة ما تؤثره الخاصة والعامة من الطعام، وكان النبي يقول: "سيد الطعام الثريد" ولمنزلة الثريد عند قريش سموا عمرو بن مناف هاشما حين هشم الخبز واتخذ منه الثريد ليطعم الضيوف والحجيج، وفيه يقول الشاعر:

  عمرو العلا هشم الثريد لقومه      ورجال مكة مسنتون عجاف.

اللحم:

جاء في التراث العربي أن العرب قوم لاحمون شاحمون، يأكلون لحوم الصيد من أرنب، وحماروحش، وظبي، ونعام، وطير، ويقرمون إلى لحوم الإبل والغنم والماعز،ويحبون شحومها، ولكنهم لا يفضلون على لحوم الإبل لحماً، فهي حيوانهم الذي يعتمدون عليه في معاشهم، خاصة أهل الوبر منها.

وللعرب طرق في طبخ اللحم ما زلنا نتبع أكثرها إلى اليوم فاللحم يكون قديراً يطبخ في الماء والملح، وقد يتولبون ماء القدر، مع إضافة التوابل. وقد تضيف العرب إلى اللحم القدير الحمص والقرع أو الدباء ويطبخ أهل اليمن اللحم بالخل، ويبقى الطعام في القدر شهراً أو شهرين جامداً لا يفسد، وإذا أسخن، تظهر فيه رائحة يومه. وتكون قدور العرب من معدن أو فخار أو حجارة منحوتة وقد يقلى اللحم وتستعمل المقلاة لذلك وغالباً ما يشوى.

وتحب العرب الجنيد وهي كلمة تدل على الشواء عموماً، فقد جاء أن الجنيد هو الذي قطر ماؤه وقد شوي وهو الشواء الذي لم يبلغ في نضجه

تأكل العرب اللحم طرياً ومجففاً، تشرحه قطعاً طوالاً فيكون قديداً، وعراضاً فيكون صفيفاً، وتقطعه صغاراً فيكون متمماً، وتغلياللحم بالملح إغلاءه قبل تجففه فيكون وشيقاً، وتقدم سناب البعير شطانب، وتجفف الكرش فتملؤها لحماً وشحماً مقددين مطبوخين، وتصب عليهم الودك حتى يجمد، وتحفظها في حوالق تخزنه.

وتفضيل العرب اللحم السمين فالعرب لا تميل إلى اللحم الغثيث (الهزيل) كما لا تحب المرأة الهزيلة، ولا الرجل الغث، وتستطيب العرب الآلية والشحم فتأتدم بالشحم (ما أذيب من الآلية) وتفضل اللحم السمين تجتمله، كما تستديف الشحم، وتستلذ المرقة المتحيرة، والمدومة والدوامة.

والعربي يستلذ كل سمين، الناقة التي روعها الكلا، والمرأة الروعاء التي يرويها الطعام ويروعها بالسمن، والتامر الذي فيه إهالة وجميل، مثل جميل الكبش السمين، يوحل فيه الضارس ويغيب، فالسمن والشحم والزبد أغذية دسمة تسوغ في الحلق تلسب لسباً وتمطخمطخاً، وتلمص لمصاً، كما ترمز هذه الأغذية إلى الوفرة والثروة، والطاقة الحيوية، وهي أطعمة ثمينة في ثقافة يكون فيها الحيوان قطب الوجود.

وكان العرب يقدمون اللحم على كثير من الطعام. وفضل بعضهم اللحم على التمر، قال شاعرهم:

 قريتي عبيد تمرها وقريتها           سنام مصراة قليل ركوبها

  فهل يستوي شحم السنام إذا شتا     وتمر جواثا حين يلقى عسيبها.

وكانت العرب تضرب المثل بمضيرة معاوية، وثريد غسان، وفالوذج ابن جدعان.

مضيرة معاوية هي صنف من الطعام كان مشهورا بين أطعمة معاوية بن أبي سفيان الفاخرة، وهي عبارة عن لحم يطبخ باللبن المضير (اللبن الحامض).

أما أشهر الأطعمة العربية فهي السكبجة، عبارة عن مرق من اللحم والخل. والهلام هو مرق السكباجة بعد تبريده وتصفية من الدهن. قال الشاعر:

  نفسي تحن إلى الهلا       م الموت من دون الهلام

    من لحم جدي راضع       رخص المفاصل والعظام

    حي القدور الراسيا        ت وإن صممن عن الكلام

      وقصاعهن إذا أتيـ       ـنك طافحات بالسلام

    لهفي على سكباجة       تشفي القلوب من السقام!

والمرق: هي اللحم يطبخ بالماء، قال صلي الله عليه وسلم: "إذا اشتري أحدكم لحماً فليكثر مرقته، فإن لم يجد لحما أصاب مرقه وهو أحد اللحمين". 

- السَّمْبُوسَة: أوالسِّنْبُوسَة، أوالسِّنْبُوسْكْ"عجِين، محشو باللحمِ أوخضراوات، شكلها مثَلث، وتقلى بالزيت". والسمبوسة أكلةٌ دخلت البطن العربي قبل أن تدخل قاموسه فعمرها أَكثر من 1200 سنة فقد عرف العرب السنبوسك في وقت مبكر من القرن الثاني الهجري.

ومن أطعمة العرب الخاصة: المصوص وهو لون من لحم الطير يطبخ وينقع في الخل. والجواذب وهو طعام يتخذ من سكر وأرز ولحم. والقلية وهي نضيد اللحم.

ومن أطعمة العرب البسيطة: الطفيشل وهو نوع من المرق البسيط بالخبز. ومثله الكرنبية والفجيلة وكلها ألوان من المرق الخفيف. تذكر عادة عند ذكر طعام البخلاء.