القطاع الخاص مقابل الدولة الراعية: قراءة في موقف علي الزيدي

عندما يعلن سياسي عراقي دعمه للقطاع الخاص ورفضه للاشتراكية، فهو لا يعلن موقفاً اقتصادياً فحسب، بل يحدد موقعه في جدل ممتد منذ سقوط الدولة الراعية بعد 2003. الجدل ليس جديداً، لكنه يتجدد كلما تفاقم عجز الدولة عن توفير وظائف وخدمات تتناسب مع حجم الالتزامات التي ورثتها من عقدين من التوسع الوظيفي والريعي.

الموقف يحمل دلالة مزدوجة، من جهة، هو اعتراف ضمني بأن النموذج الاشتراكي العراقي، الذي قام على تأميم الموارد وتوسيع القطاع العام، لم يعد قادراً على الصمود. منظومة التوظيف الحكومي تحولت إلى آلية لإدارة الولاء أكثر منها إلى أداة إنتاج، والنتيجة اقتصاد تدار فيه الدولة كصندوق رواتب مفتوح.

من جهة أخرى، فإن الدعوة إلى القطاع الخاص تلامس تطلع شريحة شابة تبحث عن مسار خارج دائرة الانتظار الحكومي، وتجد في العمل الحر والمشاريع الصغيرة بديلاً أكثر مرونة، وإن كان أكثر مخاطرة، لكن الخطاب وحده لا يصنع تحولاً.

التجربة العراقية بعد 2003 أظهرت أن انسحاب الدولة من الاقتصاد دون بناء مؤسسات ضامنة للمنافسة، أنتج قطاعاً خاصاً هجيناً يعيش على عقود الحكومة ويعيد إنتاج شبكات المحاصصة بأدوات السوق، فالقطاع الخاص الذي لا ينمو إلا على هامش المال العام يبقى امتداداً للدولة، لا بديلاً عنها.

وهذا ما يجعل رفض الاشتراكية خطوة أولى ناقصة ما لم تتبعها مراجعة جذرية لدور الدولة نفسها: من منتج مباشر إلى منظم ومحفز. الدلالة الرمزية للتصريح لا تقل أهمية عن مضمونه. في الداخل، هو إشارة إلى رجال الأعمال والمستثمرين المحليين بأن المناخ مقبل على إعادة ضبط.

في الخارج، هو رسالة موجهة إلى المؤسسات المالية الدولية والعواصم الخليجية بأن بغداد مستعدة لاختبار نموذج أكثر انفتاحاً، غير أن هذه الرسائل تظل معلقة ما لم يرافقها تفكيك البيروقراطية التي تخنق الاستثمار، وحماية قانونية للمنافسة تمنع تحول القطاع الخاص إلى امتياز مغلق.

خلاصة الأمر أن موقف رئيس الوزراء علي الزيدي يعكس تشخيصاً صحيحاً لأزمة النموذج القديم، لكنه لا يجيب عن السؤال الأصعب: كيف يتحول القطاع الخاص في العراق من تابع للريع إلى قاطرة إنتاج؟ الإجابة هنا ليست في الشعارات، بل في القدرة على بناء دولة تنسحب من السوق من دون أن تترك فراغاً تملأه المحسوبية.