هدايا الحج.. رسائل حب لا تُنسى
مكة المكرمة — حين تنتهي المناسك وتُودَّع المشاعر المقدسة، يبدأ طقس آخر لا يقل أهمية في وجدان الحاج؛ طقس البحث عن هدية تحمل روح مكة إلى من بقي في الديار. فبين أزقة أسواق الحرم المكي ومراكز التسوق المنتشرة حول المسجد الحرام، يتحول الحاج من زائر مؤدٍّ للعبادة إلى سفير للمحبة يحمل في حقائبه قبساً من بركة البقاع الطاهرة.
وتشتعل حركة البيع والشراء في المنطقة المركزية للحرم المكي وسوق العزيزية وسوق الحجاز فور انقضاء أيام الحج، إذ تمتلئ المحال بحجاج من شتى الجنسيات والألسن، كلهم يبحثون عن شيء يحمله معه، شيء يقول لمن يحبهم: "كنت هنا، وكنتم معي في قلبي".
قائمة هدايا الحج مفردتان لا يكاد يغيب عنهما حاج: ماء زمزم وتمر العجوة. وما ذلك إلا لأنهما يختزلان في طياتهما تاريخاً ودلالات إيمانية عميقة لا يوفرها أي بديل. وتتنوع أنواع التمور التي يقبل عليها الحجاج بين السكري والعنبر والصفاوي، غير أن عجوة المدينة المنورة تظل تاجاً على رأس هذه القائمة.
وبجانبهما، يحرص كل حاج على استلام نسخته من المصحف الشريف الصادر عن مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة قبيل المغادرة، هدية ذات طابع خاص تجمع بين الروحانية والذكرى.
تقول أم عبدالله، البائعة في أحد محال العطور بمكة: "أكثر ما يطلبه الحجاج هو دهن العود والمسك الأسود، يشترونه بكميات كبيرة ليوزعوه على الأهل والجيران". وهي شهادة تكشف كيف يصبح العطر لغةً بين الحاج وذويه؛ رائحة تُعيد إليهم لحظات الطواف وأجواء الحرم حتى وهم في بيوتهم البعيدة.
ولا تقتصر الرغبة في الهدية على فئة دون أخرى، فالحاج الذي أنهكته المناسك وأتعبته الطريق لا يزال مسكوناً بهذا الواجب الجميل تجاه أهله، مدركاً أن الهدية ليست ترفاً بل تعبير عن مشاركة وجدانية حقيقية.
ويختلف الحجاج في اختياراتهم بحسب ثقافاتهم وطبائعهم، غير أنهم يجتمعون في جوهر واحد: الرغبة في نقل شيء من هذا المكان إلى من يحبون.
ويرى الحاج أحمد شرف من مصر، أن "هدايا الحج أصبحت جزءا أصيلا من تقاليد المسلمين بعد الحج، تمزج بين البركة والمودة، وبين الطابع الروحي والبعد الإنساني العميق". أما الحاج علي من إندونيسيا فيلخّص الأمر بعفوية، "لا يمكنني العودة إلى عائلتي دون أن أحمل لهم بعضا من مكة المكرمة، حتى وإن كانت هدية بسيطة مثل سبحة أو قارورة من ماء زمزم."
وتذهب الحاجة فاطمة من المغرب إلى ما هو أبعد من الهدية المادية حين تختار السجاجيد والصور التذكارية للحرمين وللمشاعر المقدسة؛ لتجعل من الجدار في بيتها نافذةً على الحرم، وتُشعِر من لم يحج بعد بأنه شريك في هذه الرحلة.
وتعرض أسواق مكة المكرمة والمدينة المنورة مجموعة واسعة تُرضي كل ذوق وكل ميزانية. فإلى جانب الثوابت من ماء زمزم والتمر والسُّبَح والمصاحف، يجد الزائر الأقمشة النسائية الفاخرة، والساعات، والعطور الشرقية، والتحف المحفورة بآيات قرآنية، ومجسمات الكعبة المشرفة، ولوحات الخط العربي، والأحجار الكريمة والذهب المنقوش بالزخارف الإسلامية.
وتروي الحاجة مروة الشربيني من مصر أنها اختارت سجادات الصلاة المزخرفة بصور الحرمين لتزين بها جدران منزلها، إلى جانب التمور والعسل والحلويات الشعبية. فيما آثرت نظيرتها السودانية سعدية رضى اقتناء تحفة برج الساعة في مكة رمزا ماديا لمعلم بارز ظل رفيقها طوال أيام رحلتها. أما الحاجة المغربية مريم مصطفى ففضّلت تعليقات وأساور ذهبية منقوشة بزخارف إسلامية تقديماً لوالدتها وأخواتها، استمرارا لتقليد توارثته عن جدتها.
وتُنبّه أم حسين من العراق إلى اعتبار عملي يغفل عنه كثيرون، "أحرص على شراء الهدايا الخفيفة لسهولة حملها أثناء السفر، وحتى تكفي لعدد كبير من الأهل والأصدقاء". فالمسافة الطويلة تفرض منطقها حتى على لحظات العطاء.
وفي عصر التواصل الاجتماعي، ابتكرت سعودية تمتلك حسابا على إحدى منصات التواصل أسلوبا معاصرا في التعامل مع هذا التقليد؛ إذ تُجهّز قبل موسم الحج علب هدايا متكاملة تضم شوكولاتة ومسواكا ومسبحة وسجادة صلاة وماء زمزم داخل أكياس مزينة، تحمل عبارة "حج مبرور وذنب مغفور"، وتعرضها للطلب إلكترونيا".