الجزائر تفتح باب التهدئة مع فرنسا من موقع الندّ

رئيسة مجلس فرنسا - الجزائر تكشف أن الرئيس الجزائري أبلغها باستعداد بلاده للحوار مع باريس دون شروط مسبقة.

باريس - كشفت السياسية الفرنسية سيغولين روايال رئيسة جمعية فرنسا - الجزائر أن الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون أبدى استعداده لاستقبال مسؤولين ووزراء فرنسيين، مشترطا التخلي عن أي شروط مسبقة، والتعامل مع بلاده على أساس الندية واحترام السيادة. وسط مؤشرات على رغبة متبادلة في طي صفحة التوتر وإعادة الدفء إلى العلاقات.

وقالت رويال إنها "نقلت هذه الرسالة مباشرة إلى وزير الداخلية الفرنسي"، داعية إياه إلى "التخلي عن "منطق علاقات القوة" والتوجه إلى الجزائر دون إملاءات، مشيرة إلى "بوادر تغيير في الخطاب الفرنسي خلال الفترة الأخيرة نحو مقاربة أكثر توازنا"، وفق موقع "الشروق" الجزائري.

ويكشف هذا التطور أن الجزائر لا ترفض استئناف الحوار مع باريس، بل تبدي استعدادا لإعادة إطلاق مسار العلاقات الثنائية، لكنها تضع لذلك إطارا واضحا يقوم على احترام السيادة والتعامل على أساس الندية، بعيدا عن أي مقاربة تعتبرها امتدادا لمنطق الهيمنة أو الإملاءات.

ويأتي هذا الموقف في وقت تشهد فيه العلاقات بين البلدين واحدة من أكثر مراحلها تعقيدا، بعدما احتدمت الخلافات حول عدد من الملفات السياسية والتاريخية، الأمر الذي انعكس على مستوى التواصل الرسمي وألقى بظلاله على التعاون في قضايا إقليمية ودولية ذات اهتمام مشترك.

ويرى مراقبون أن تصريحات روايال تحمل أهمية خاصة لكونها صادرة عن شخصية سياسية فرنسية معروفة بدفاعها عن تعزيز التقارب بين البلدين، كما أنها تأتي بعد سلسلة زيارات قامت بها إلى الجزائر ولقاءات مع مسؤولين جزائريين، ما يمنحها صورة أقرب إلى قناة غير رسمية لنقل الرسائل بين العاصمتين في مرحلة تتسم بالحذر الشديد.

وتؤشر الدعوة الجزائرية إلى استقبال مسؤولين فرنسيين دون شروط مسبقة إلى أن الأزمة الحالية لا تعني غياب الإرادة السياسية لتجاوزها، بل تعكس اختلافا في الرؤى حول طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تجمع البلدين مستقبلا. فالجزائر تؤكد باستمرار أنها تريد شراكة متوازنة تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، فيما تتهم بعض الأوساط السياسية الفرنسية بالتعامل مع البلد الواقع في شمال إفريقيا من منطلقات تعود إلى حقبة ما بعد الاستعمار.

ويعد ملف الذاكرة التاريخية من أبرز العقبات التي تعترض مسار التقارب بين الجانبين. فبينما تطالب الجزائر بخطوات عملية تعكس اعترافا أوضح بجرائم الاستعمار الفرنسي، لا تزال هذه القضية تثير انقسامات حادة داخل الساحة السياسية الفرنسية، خصوصا لدى أحزاب اليمين واليمين المتطرف التي ترفض تقديم ما تعتبره "تنازلات تاريخية" للجزائر.

وفي هذا السياق، دعت روايال إلى مبادرات رمزية من شأنها المساعدة على إعادة بناء الثقة، من بينها تنظيم معارض خاصة بالأرشيف والمقتنيات التاريخية المرتبطة بالأمير عبدالقادر، معتبرة أن مثل هذه الخطوات يمكن أن تسهم في تجاوز إرث الماضي وفتح صفحة جديدة في العلاقات الثنائية.

ولا يقتصر الدافع نحو التهدئة على الاعتبارات التاريخية فقط، إذ ترتبط الجزائر وفرنسا بشبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والأمنية والإنسانية. ففرنسا تعد من أبرز الشركاء التجاريين للجزائر، كما أن البلدين معنيان بالتعاون في ملفات الهجرة ومكافحة الإرهاب والاستقرار في منطقة الساحل الأفريقي والفضاء المتوسطي.

ويرى متابعون أن هذه المصالح المشتركة تجعل القطيعة الكاملة خيارا مكلفا للطرفين، ما يدفعهما إلى البحث عن مخارج سياسية ودبلوماسية تسمح بإدارة الخلافات دون الإضرار بالتعاون الاستراتيجي القائم بينهما.

ولا تزال الطريق إلى مصالحة كاملة تواجه تحديات حقيقية، إذ لا يستبعد أن يصطدم أي تقارب محتمل بحسابات داخلية في فرنسا، حيث تتعرض الأصوات الداعية إلى الانفتاح على الجزائر لانتقادات متكررة من قوى سياسية تعتبر أن باريس يجب أن تتبنى موقفا أكثر تشددا في الملفات الخلافية.

وفي المقابل، تبدو الجزائر متمسكة بخطاب يؤكد استقلالية قرارها السياسي ورفضها لأي مقاربة لا تراعي مبدأ التكافؤ في العلاقات الدولية، وهو ما يجعل الندية شرطا أساسيا لأي انفراج مرتقب.

وبين الرغبة الجزائرية المعلنة في إعادة الدفء إلى العلاقات، والحاجة الفرنسية إلى الحفاظ على شريك محوري في الضفة الجنوبية للمتوسط، تبدو فرص التوصل إلى تسوية للأزمة قائمة أكثر من أي وقت مضى، لكنها تظل رهينة بقدرة الطرفين على ترجمة رسائل التهدئة إلى خطوات عملية تعيد بناء الثقة وتؤسس لمرحلة جديدة تتجاوز إرث التوترات المتراكمة.