مصر توازن بين المصلحة الوطنية والالتزام الإنساني في ملف اللجوء

رئيس الحكومة يصدر اللائحة التنفيذية لقانون لجوء الأجانب لتنظيم أوضاع المقيمين الحاصلين على بطاقات لجوء.

القاهرة – أصدرت الحكومة المصرية قرارات جديدة لتنظيم ملف اللاجئين، ووضعت جدولاً زمنياً واضحاً لتوفيق أوضاعهم، بما يحقق التوازن بين متطلبات الأمن القومي، والالتزامات الإنسانية والدولية في وقت تتحمل فيه القاهرة أعباءً متزايدة نتيجة استضافتها أعداداً كبيرة من الفارين من الحروب والنزاعات والأزمات الاقتصادية في المنطقة.

وخلال السنوات الماضية تحولت مصر إلى وجهة رئيسية للعديد من اللاجئين والنازحين القادمين من دول تشهد صراعات وعدم استقرار، حيث فتحت أبوابها أمام مئات الآلاف من الأسر التي وجدت في الأراضي المصرية ملاذاً آمناً يوفر لها الحماية وفرص العيش الكريم. ولم تقتصر الاستضافة على توفير الإقامة، بل امتدت لتشمل إتاحة الخدمات الأساسية لهم على غرار المواطنين المصريين في العديد من القطاعات.

وأصدر مصطفى مدبولي رئيس الوزراء، اللائحة التنفيذية لقانون لجوء الأجانب، تتضمن خريطة طريق واضحة ومحددة زمنياً لتنظيم أوضاع المقيمين الحاصلين على بطاقات لجوء صادرة عن مكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مصر، حيث تقرر استمرار سريان البطاقات الحالية حتى انتهاء مدتها، أو لحين قيام "اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين" بإصدار الوثائق وبطاقات التسجيل القومية الجديدة، أيهما أقرب.

كما منحت اللائحة حماية مؤقتة للبطاقات التي تنتهي خلال الأشهر الستة الأولى من بدء العمل بالقانون، إذ تمتد صلاحيتها تلقائياً طوال الفترة الانتقالية.

وألزم القرار جميع اللاجئين وطالبي اللجوء بتقديم مستنداتهم وبطاقاتهم الحالية إلى اللجنة الدائمة قبل شهر على الأقل من تاريخ انتهائها، في حين أُمهل أصحاب الوثائق المنتهية فعلياً فترة 6 أشهر من تاريخ نفاذ القرار لإخطار اللجنة وتوفيق أوضاعهم القانونية، مع إتاحة الحق لرئيس الوزراء بمد هذه الفترات الانتقالية لمدد مماثلة بناءً على عرض اللجنة لضمان سلاسة نقل الاختصاصات الإدارية.

كذلك، تقرر إلزام اللجنة باستلام كافة قواعد البيانات الشاملة المتعلقة باللاجئين وطالبي اللجوء الذين سجلوا أنفسهم مسبقاً لدى المفوضية الأممية، وذلك خلال مدة أقصاها 6 أشهر.

وتأتي إجراءات توفيق الأوضاع الأخيرة في إطار جهود الدولة لإدارة الملف بشكل مؤسسي ومنظم، بما يحفظ حقوق اللاجئين ويعزز الأمن والاستقرار، ويتيح للجهات المعنية تكوين قاعدة بيانات دقيقة تساعد في تقديم الخدمات ومتابعة الاحتياجات المختلفة للفئات المستفيدة.

يذكر أنه وفقاً للبيانات والإحصاءات الرسمية الصادرة عن الحكومة المصرية، فضلاً عن تقديرات المنظمة الدولية للهجرة، فإن مصر تستضيف على أراضيها ما يزيد على 9 ملايين أجنبي لاجئ ومقيم ينتمون إلى أكثر من 133 دولة حول العالم.

وتتصدر الجنسية السودانية قائمة الوجود الأجنبي في مصر بأعداد تتجاوز 4 ملايين سوداني، تليها الجالية السورية بنحو 1.5 مليون نسمة، ثم أعداد كبرى من اليمن وليبيا تزيد عن المليون، فضلاً عن جنسيات أفريقية وعربية متعددة فرت من ويلات الصراعات المسلحة والحروب الأهلية والاضطرابات السياسية والاقتصادية في بلدانها.

وحسب تصريحات حكومية سابقة فإن التكلفة المباشرة وغير المباشرة التي تتحملها الخزانة العامة المصرية لاستضافة ورعاية الملايين من غير المواطنين تبلغ نحو 10 مليارات دولار سنوياً.

وتتحمل الدولة المصرية أعباء كبيرة نتيجة هذا الواقع، إذ ينعكس تزايد أعداد اللاجئين على قطاعات التعليم والصحة والإسكان والمرافق العامة والبنية التحتية وسوق العمل. كما يتطلب توفير الخدمات الأساسية موارد مالية إضافية في ظل ضغوط اقتصادية تواجهها البلاد نتيجة ارتفاع معدلات التضخم وتداعيات الأزمات العالمية والإقليمية.

وفي ظل استمرار الأزمات في عدد من دول المنطقة، تبقى قضية اللاجئين أحد أبرز التحديات التي تواجه مصر، ما يجعل تنظيم هذا الملف ضرورة لضمان استدامة الخدمات وحماية مصالح الدولة واللاجئين على حد سواء.

وفي عام 2024، أقرت مصر أول تشريع ينظم شؤون اللاجئين وطالبي اللجوء، ونصّ على تشكيل "لجنة دائمة لشؤون اللاجئين" تتبع مجلس الوزراء، تتولى إدارة مختلف الملفات المتعلقة بهم. وبموجب القانون يتمتع اللاجئ، بعد اكتساب الصفة القانونية، بحقوق من بينها الحصول على وثيقة سفر، وعدم تسليمه إلى دولته، وحق التعليم. إلا أن صدور هذا القانون جاء متأخرا، بعد أكثر من 13 عاما على بدء تدفق موجات اللجوء الكبرى إلى مصر منذ اندلاع الثورة السورية في 2011.