الزيدي وتجربة فندق 'ريتز كارلتون'
إعلان القبض على عدنان الجميلي لا يمكن اعتباره حدثاً عادياً في المشهد السياسي العراقي، بل يمثل اختباراً حقيقياً للحكومة الجديدة برئاسة علي الزيدي، التي جاءت وسط ظروف سياسية واقتصادية معقدة، وفي وقت يعيش فيه الشارع العراقي حالة من الغضب والإحباط نتيجة تراكم ملفات الفساد طوال السنوات الماضية دون محاسبة فعلية للفاسدين الكبار.
العراقيون اليوم لا يبحثون عن مؤتمرات صحفية أو بيانات حماسية، بل يريدون خطوات عملية تعيد للدولة هيبتها، وتثبت أن القانون يمكن أن يطال الجميع دون استثناء، لذلك فإن خطوة القبض على الجميلي حظيت باهتمام واسع، ليس بسبب اسم الرجل فقط، وإنما لأنها قد تشكل بداية لمسار مختلف إذا ما استمرت الحكومة بنفس النهج، ولم تتراجع تحت ضغط القوى السياسية أو المصالح الحزبية.
علي الزيدي يمتلك اليوم فرصة تاريخية نادرة قد لا تتكرر لأي رئيس حكومة عراقي في المستقبل القريب، فهو يحظى بدعم داخلي وخارجي يمنحه مساحة كبيرة للتحرك، فهناك دعم شعبي واضح لأي خطوات تتعلق بمحاربة الفساد، إضافة إلى وجود دعم أميركي وأوروبي للحكومة الجديدة باعتبار أن ملف الفساد بات مرتبطاً بشكل مباشر باستقرار العراق ومستقبل اقتصاده، كما أن دعم المرجعية الدينية لأي مشروع إصلاحي يمنح الحكومة غطاءً معنوياً وسياسياً مهماً في مواجهة القوى التي اعتادت حماية الفاسدين طوال السنوات الماضية.
لكن المشكلة الأساسية التي تواجه الشارع العراقي اليوم ليست في إعلان القبض على هذا المسؤول أو ذاك، وإنما في غياب الثقة بالتجارب السابقة، فالعراقيون شاهدوا عشرات الملفات التي فُتحت تحت عناوين ضخمة، ثم انتهت إما بتسويات سياسية أو بهروب المتهمين أو بإغلاق الملفات بصمت، ولهذا فإن الخوف الحقيقي هو أن تتحول قضية الجميلي إلى نسخة جديدة من ملفات سابقة مثل قضية نور زهير وغيرها من القضايا التي أُثيرت إعلامياً بقوة ثم اختفت دون نتائج حقيقية تعيد الأموال المنهوبة أو تكشف جميع المتورطين.
وما يزيد من خطورة المرحلة الحالية هو ما كشف عن حجم الإنفاق المالي والملفات التي تسلمتها الحكومة الجديدة من حكومة السوداني، إذ يتحدث كثيرون عن أرقام ضخمة وملفات حساسة تتعلق بإدارة المال العام والعقود والموازنات، وإذا صحت هذه المعلومات فإن العراق يقف أمام واحدة من أخطر مراحل الهدر المالي والإداري في تاريخه الحديث، الأمر الذي يتطلب إجراءات استثنائية تتجاوز الحلول التقليدية والخطابات السياسية المعتادة.
الكثير من العراقيين اليوم يتحدثون بصراحة عن الحاجة إلى تجربة حاسمة في مكافحة الفساد، شبيهة بما جرى في فندق ريتز كارلتون في السعودية، عندما اتخذت الدولة هناك قرارات صادمة بحق شخصيات نافذة متهمة بالفساد، واستطاعت خلال فترة قصيرة أن ترسل رسالة قوية مفادها أن أحداً ليس فوق القانون، وربما تختلف الآراء حول تلك التجربة، لكن المؤكد أنها نجحت في خلق حالة ردع حقيقية، وأعادت للدولة جزءاً من هيبتها.
العراق اليوم بحاجة إلى قرارات جريئة من هذا النوع، لأن الفساد لم يعد مجرد تجاوزات مالية، بل تحول إلى منظومة متكاملة أضعفت مؤسسات الدولة، ودمرت الخدمات، وأفقدت المواطن ثقته بالسياسة وبالعملية الديمقراطية كلها، ولذلك فإن نجاح الزيدي في هذا الملف قد يجعله الرجل الذي تمكن من كسر الحلقة التي فشلت جميع الحكومات السابقة في كسرها.
إذا استطاع رئيس الوزراء أن يحول ملف مكافحة الفساد من شعارات إعلامية إلى مشروع دولة حقيقي، وأن يذهب نحو محاسبة عادلة وشفافة تشمل الجميع دون استثناء، فإنه سيحظى بدعم غير مسبوق من العراقيين، وسيكتب اسمه في التاريخ السياسي الحديث للعراق، أما إذا توقفت الإجراءات عند حدود الاعتقالات الانتقائية والضجيج الإعلامي، فإن الشارع العراقي سيفقد آخر ما تبقى لديه من أمل.