تفكيك تناقضات اليسار والبحث عن السكينة في 'بيت بيروت'
بين صخب البنادق وضجيج المقاهي، تقدم رواية "بيت بيروت" لسامر أبو شندي تجربة تتجاوز التصنيفات التقليدية؛ فهي ليست رواية حرب خالصة، ولا قصة رومانسية عابرة، ولا سيرة ذاتية مباشرة، بل نص يبحث في الهوية والتحولات السياسية والوجودية. الحرب هنا ليست الحدث المركزي، بل خلفية تتحرك فوقها شخصية البطل أنيس (عبد الغني)، الذي ينتقل من ضابط مصري مكسور إلى إنسان يسعى لإعادة تعريف ذاته عبر السياسة والحب والترحال. هذه المقاربة تمنح العمل قوة، إذ تجعل التفاصيل الإنسانية أكثر بقاء من وصف المعارك.
تتنقل الرواية عبر جغرافيا متعددة: من مصر إلى ليبيا، ثم عمان، فبيروت، وصولاً إلى باريس وبرلين ودمشق. ورغم غنى هذا الامتداد المكاني، يعاني إيقاع السرد من تباين واضح؛ إذ يتسارع في التنقلات، لكنه يتباطأ عند الحدث المركزي، مما يؤخر شعور القارئ ببداية حقيقية. كان من الممكن افتتاح الرواية بمشهد صادم من بيروت تحت القصف، ثم العودة إلى الماضي، لخلق جذب أقوى منذ البداية.
مع ذلك، تحمل التفاصيل رمزية لافتة، مثل حقيبة "السامسونايت" التي تمثل وطناً متنقلاً، تجمع بين كتاب "1984" وبطاقات من مبنى مدمّر، في دلالة على التناقض والضياع. وفي باريس، تتحول المقاهي إلى بديل عن الخنادق، حيث يستعيد البطل تحولات فكرية كتحول ميشيل عفلق، أو يستعين برواية "عصفور الشرق" لفهم صراع القيم بين الشرق والغرب.
يبرز "بيت بيروت" أو "المبنى الأصفر" كفكرة رمزية قوية؛ إذ يتحول من عيادة إلى مقر عسكري، في انعكاس لتحولات المدينة نفسها. إلا أن المبنى بقي خلفية للأحداث، رغم إمكانية توظيفه كشخصية حية تتفاعل مع الزمن. كما يطرح العنوان سؤال الملكية والانتماء، في ظل تعدد الجنسيات داخل هذا "البيت".
على مستوى الشخصيات، يبرز عبد الغني كشخصية متناقضة: مثقف يساري يميل للترف، وعسكري سابق يحمل عقلية الجندي، يبحث عن انتماء دائم الهروب منه. إيفون تبدأ كشخصية فكرية قوية، لكنها تتراجع إلى دور عاطفي، بينما تبدو هند أكثر تماسكاً، وتمثل بيروت في تناقضها وجمالها وهشاشتها.
من أبرز مشاهد الرواية حكاية الغجرية، التي تتجاوز بعدها السردي لتقدم رمزاً مكثفاً؛ فماسح الأحذية يمثل الإنسان البسيط، بينما ترمز الغجرية إلى بيروت الحرة. الجريمة التي يرتكبها الرجل السوري تكشف منطق القوة الذي يدمر البساطة، كما تكشف سقوط الأخلاق الثورية حين تُروى الجريمة بفخر. هذا المشهد يشكل صدمة لأنيس، ويفتح باب التساؤل حول جدوى الأيديولوجيا حين تفقد بعدها الإنساني.
تكشف تحركات البطل اللوجستية تناقضاً آخر؛ فبين شراء معدات بعملة ملغاة، وإنفاق الدولارات على الكماليات، يظهر التناقض بين الفكر اليساري والسلوك البرجوازي. كما تكشف الأنشطة السرية عن سلطة مركزية غامضة تهيمن على الأفراد.
في باريس، تدخل شخصية وداد بعداً روحياً جديداً، عبر دراستها للفلسفة الإسلامية وتأثيرها على أنيس، الذي يبدأ قراءة القرآن، خاصة مع اكتشاف أن القائد نفسه يؤدي الشعائر الدينية. هنا يتضح عجز الأيديولوجيا عن إشباع الحاجة الروحية. ومع ذلك، تعاني بعض الحوارات من المباشرة، فتبدو أحياناً كطرح فكري أكثر من كونها تفاعلاً إنسانياً.
تصل الرواية إلى ذروتها مع أحداث 1989، حيث تتفكك القناعات السياسية، ويغلب البعد الإنساني على الشعارات، خاصة في علاقة أنيس بهند. وفي النهاية، تفتح وداد باب تحول جديد في حياته، بعيداً عن صخب السياسة نحو سكينة داخلية.
تتميز لغة الرواية بالبساطة والعفوية، ما يعزز قربها من القارئ، ويجعلها عملاً غنياً يحمل بعداً إنسانياً وفكرياً عميقاً.
إضاءة على العمل:
تأتي هذه المراجعة احتفاءً برواية "بيت بيروت"، الصادرة عن دار الأمير للنشر في مرسيليا/فرنسا، والتي يقدّم فيها الكاتب القدير سامر أبو شندي إضافةً نوعية جديدة للمكتبة العربية. يقع هذا العمل الإبداعي المتميز في 123 صفحة تشهد على عمق الطرح وتميز الأسلوب.