كراكوز وعواظ يعودان لتعليم أطفال دمشق الحكمة
دمشق ـ في زمن تتنافس فيه الشاشات على انتباه الأطفال بكل ما تملكه من ألوان وأصوات ومؤثرات، اختار المركز الثقافي العربي في الميدان بدمشق أن يُجيب بسؤال مختلف: ماذا لو كانت الحكاية القديمة كافية؟
احتضن مساء الخميس، المركز فعالية 'خيال الظل وصندوق العجايب'، التي قدّمت مزيجا من العروض التراثية والحكايات التوعوية في جو جمع الأطفال والكبار معًا، وأعاد لأجيال شبّت على الشاشات ذاكرةً لم تعشها، لكنها تنتمي إليها.
وتضمّنت الفعالية ثلاثة فنون شعبية أصيلة، هي مسرح خيال الظل، وفن الحكواتي، وصندوق العجايب. و حملت العروض في طيّاتها رسائل تربوية وتوعوية مبسّطة تناولت الحفاظ على البيت العربي، وعادات عيد الأضحى، وبرّ الوالدين، وحماية البيئة، إضافة إلى حكايات مصمَّمة لتنمية التفكير لدى الأطفال وتقديم القيم بلغة يفهمها الصغير قبل الكبير.
قال الفنان أنور باكير، خريج معهد الفنون التشكيلية وعضو اتحاد الفنانين التشكيليين في دمشق، الذي أشرف على الفعالية وقدّمها، "البرنامج يتضمن قصصا تربوية وصحية وبيئية تُقدَّم بطريقة تساعد الأطفال على فهم الرسائل والاستفادة منها"، مشيرا إلى أن الحكايات تحمل في الوقت ذاته رسائل تراثية تعزز التمسك بالعادات الأصيلة وقيم التكافل الاجتماعي التي تشكّل عمود الهوية السورية.
وارتبط مسرح خيال الظل في الوجدان الشعبي السوري بشخصيتين لا تُنسيان: كراكوز وعواظ، اللذان جابا المقاهي والساحات لقرون، يحملان حكايات ساخرة تمزج النقد الاجتماعي والسياسي بالمرح والتندّر. لم يكن هذا المسرح يوما مجرد تسلية للعامة، بل كان أداة للتعبير عن هموم الناس وأوجاعهم في زمن لم تكن فيه الصحافة ولا التلفاز ولا السينما.
وأعاد باكير تصنيع شخصيات خيال الظل من مواد معاد تدويرها، مستلهمًا روح البيئة الشامية في تصميمها إلى جانب الشخصيات التراثية المعروفة، مؤكدل لوكالة الأنباء السورية (سانا)، أن هذه الفنون "تشكّل جزءا من الذاكرة الشعبية السورية، وكانت من أبرز وسائل السرد قبل ظهور الوسائل الحديثة". واضاف أن إعادة تقديمها اليوم للأطفال والكبار في آنٍ واحد يفتح نافذة على الماضي، ويعيد ربط الأجيال الجديدة بذاكرة أجدادهم دون افتعال ولا مبالغة.
أما صندوق العجايب، فهو الأكثر إثارة للفضول بين الأجيال التي لم تعرفه، ووسيلة بصرية بدائية في شكلها، عميقة في تأثيرها، تعرض صورًا وحكايات عبر فتحات صغيرة تمنح المتفرج متعة الاكتشاف واحدة بواحدة.
وكان الأطفال قديمًا يتزاحمون عليها في الأسواق الشعبية، يُطلّون من تلك الفتحات الصغيرة على عوالم لم يروها، قبل أن تأتي الشاشة الكبيرة وتسرق منهم هذا الإحساس بالدهشة البسيطة.
وصنع باكير الصندوق المعروض بيديه خلال نحو شهرين من العمل المتواصل، مستخدمًا مواد معاد تدويرها في رسالة مزدوجة تجمع بين إحياء التراث والوعي البيئي.
ويؤكد أن هذا الفن الشعبي قادر على أن يجد مكانه في العصر الحديث بوصفه أداة تعليمية وتراثية لا تقل قيمة عن أي وسيلة تقنية مستحدثة.
وتأتي هذه الفعالية ضمن برنامج أسبوع التراث اللامادي الذي تُقيمه مديرية الثقافة في دمشق، بهدف إحياء الفنون والممارسات الشعبية وتعريف الأجيال الجديدة بأهميتها ودورها في صون الهوية الثقافية السورية.
وفي مشهد عربي يتسارع فيه التحول الرقمي ويتراجع فيه الاهتمام بالموروث الشعبي، تبدو مبادرات كهذه ضرورة لا ترفًا ثقافيًا.
ما قدّمه باكير مساء الخميس، كان دعوة لإعادة النظر في ما نعتبره وسيلة للتعليم والتأثير. فالطفل الذي تسمّر أمام خيال الظل ثم سأل عن كراكوز وعواظ، والكبير الذي أطلّ من فتحة صندوق العجايب وابتسم، كلاهما شهد أن الحكاية القديمة لم تمت، بل كانت تنتظر من يُعيد إليها صوتها.