هل يتحول قانون ريبو إلى قنبلة موقوتة لتصفية الأصول الإيرانية

المحللون يحذرون من أن مصادرة الأموال السيادية دون غطاء أممي ستنهي الثقة بالنظام المالي الغربي.

لم تعد إدارة النزاعات الدولية تقتصر على الأدوات العسكرية، بل أصبحت المنظومة المالية ساحة اشتباك أساسية لإعادة صياغة موازين القوى، ويمثل التوجه الأخير لوزارة الخزانة الأميركية برئاسة سكوت بيسنت لتقييم الأضرار في منشآت الطاقة بالخليج، تمهيداً لتسييل جزء من الأصول الإيرانية المجمدة لصالح حلفاء واشنطن تحولاً استراتيجياً يتجاوز البُعد الاقتصادي ليلامس قواعد القانون الدولي والحصانة السيادية للدول على مدى الأجيال القادمة.

الجذور القانونية.. قانون ريبو كأداة جيوسياسية

تستند عواصم القرار في واشنطن إلى مسار تشريعي تبلور مع إقرار قانون ريبو  لعام 2024 الذي مكن من مصادرة الأصول السيادية الروسية لصالح إعمار أوكرانيا، واليوم يسعى صقور الإدارة الأميركية الجديدة، بقيادة وزير الخارجية ماركو روبيو لاستنساخ هذا النموذج في الشرق الأوسط ضمن مقاربة الضغط الأقصى المحدثة لعام 2026، المنطق هنا يقوم على تدفيع الثمن المالي مسبقاً، عبر تحويل النظام المالي المهيمن عليه بالدولار إلى سلطة قضائية تعاقب الدول بنيوياً وتكسر احتكار مجلس الأمن للملَفات العقابية لترسخ معادلة جديدة: "الحصانة السيادية لأموالكم مشروطة بمدى مواءمة سياساتكم العسكرية مع المصالح الأميركية".

جردة الأصول وتقديرات الأضرار

يتحكم في هذا التجاذَب المالي بين واشنطن وطهران خريطة أرقام دقيقة.. حجم الأصول المحتجزة، تتراوح الأموال الإيرانية المجمدة عالمياً بين 100 إلى 120 مليار دولار ثلث الناتج المحلي الإجمالي لإيران.

شرط التهدئة: تطالب طهران عبر مستشارها العسكري محسن رضائي بالإفراج عن24  مليار دولار 12 فوراً و12 خلال شهرين كشرط أساسي لأي اتفاق سلام.

التوزيع الجغرافي: تتوزع الأصول بين 12 مليار دولار في قطر، و7 مليارات في الهند، و6 مليارات في العراق مستحقات طاقة، و20 ملياراً محيدة في الصين، بجانب مليارات متفرقة في اليابان ولوكسمبورغ، ومليار دولار أصول مشفرة وضعت الخزانة الأميركية اليد عليها مؤخراً من منصة "نوبيتكس".
 حجم الأضرار: تقدر وكالة "ريستاد اينرجي" كلفة الأضرار التي لحقت ببعض المنشآت الحيوية والقواعد بالخليج تحديداً في الكويت والبحرين جراء التوترات الأخيرة بنحو 58 مليار دولار، وهي الفجوة التي تسعى واشنطن لسدها من المحفظة الإيرانية.

الإشكالية القانونية وتداعيات الثأر الممتد

تثير هذه الخطوة انقساماً حاداً؛ فبينما تراها واشنطن أداة ردع اقتصادية مشروعة لا ترهق دافع الضرائب الأميركي، تعتبرها طهران عبر مسؤوليها القانونيين مثل كاظم غريب آبادي قرصنة مالية تخرق معاهدة فيينا ويحذر المحللون من أن مصادرة الأموال السيادية دون غطاء أممي ستنهي الثقة بالنظام المالي الغربي وتدفع العواصم الأوروبية الشريكة إلى مأزق قانوني وسياسي حرج يهدد أمن استثماراتها الكبرى، مما يفتح الباب لـ"فوضى مالية قضائية".

الخطر الأكبر يقع على عواصم الجوار العربي والخليجي؛ فقَبول تعويضات مقتطعة مباشرة من المحافظ السيادية الإيرانية سيحول الصراع من نزاع أميركي-إيراني إلى ثأر بنيوي مباشر وجيوسياسي ممتد بين ضفتي الخليج، إذ أن طهران ستصنف هذه الأموال كـ"ثروة منهوبة، مما يؤسس لعقيدة عسكرية ثأرية تنتقل عبر الأجيال تجعل من المشاريع التنموية الكبرى مثل رؤية 2030 أهدافاً دائمة، ويطيح بجهود تصفير الأزمات الإقليمية. وبذلك تصبح واشنطن وتل أبيب المستفيد الأوحد عبر إدارة الأزمة بأموال الخصوم وعزل إيران كلياً عن محيطها العربي.

الحقول المشتركة، مأزق العراق، ومستقبل الدولار

تتجاوز خطورة تسييل الأصول الموازنات النقدية المباشرة لتضرب مفاصل استراتيجية أخرى.
تهديد الحقول المشتركة: سيقضي هذا الإجراء على أي فرص للاستثمار والتطوير المشترك في الحقول الهيدروكربونية؛ مثل حقل الدرة، بين الكويت والسعودية وإيران وحقل الشمال للغاز، بين قطر وإيران مما يحرم المنطقة من عوائد ترليونية ممتدة عبر الأجيال.

مأزق العراق: يضع الاجراء بغداد تحت مقصلة العقوبات الثانوية، فإجبار العراق على تحويل الـ 6 مليارات دولار المحتجزة لديه إلى صناديق التعويضات سينقله من مربع الوسيط إلى ساحة صدام أمني وعنيف مباشر مع طهران وحلفائها المحليين، وفي ظل عسكرة الممرات المائية الحيوية كهرمز وباب المندب، سيجبر هذا الشلل دول المنطقة على الاندفاع نحو ممرات التجارة البرية والربط السككي والجاف عبر العراق وتركيا كخيار حتمي للبقاء الاقتصادي.

تراجع نفوذ الدولار: سيسرع هذا الإفراط الأميركي لجوء قوى كبرى كالصين وروسيا وتكتلات مثل بريكس المالي إلى بناء منظومات دفع رقمية بديلة مما يضعف هيمنة الدولار عالمياً على المدى الطويل كأثر ارتدادي غير محتوم.

إن استئناف النزاع المسلح وعودة لغة الصواريخ بعد انهيار التهدئة المؤقتة لم يكن صدفة ميدانية بل كان الوقود اللازم لشرعنة فتح ملف الأصول واستخدامه كأداة ضغط لفرض اتفاق إكراه شامل، والنجاة من هذا الفخ الجيوسياسي تتطلب من العواصم العربية والخليجية تمسكاً بالدبلوماسية الوقائية الذكية، عبر الإصرار على تحصيل الدعم الدفاعي وإعادة الإعمار من خلال قنوات الاتفاقيات الثنائية مع واشنطن، من ميزانيتها الخاصة أو عبر صفقات تسليح مجانية، مع الرفض القاطع لتلقي أي تعويضات مقتطعة من الأصول السيادية الإيرانية، إن تفادي استلام هذا المال المسموم هو خط الدفاع الأول لمنع ولادة صراع ثأري مستدام والحفاظ على جدار الأمن الإقليمي المشترك في منطقة لم تعد تحتمل المزيد من الحسابات الخاطئة.