أهمّية لبنان بالنسبة إلى إيران!
أكثر من أي وقت تكشفّت مدى أهمّية لبنان بالنسبة إلى النظم الإيراني الذي لا يزال يرفض الاعتراف بأن المنطقة تغيرت. كان إطلاق إيران صواريخ في اتجاه إسرائيل، ردّا على قصف الضاحية، بمثابة محاولة إيرانيّة أخرى لتأكيد الوقوف مع "حزب الله". لا يتعلّق الأمر بأكثر من ذرّ للرماد في العيون في حين تستمر المأساة اللبنانية، مأساة أهل الجنوب الذين دمرت قراهم وجرفت وصاروا نازحين في مختلف الأراضي اللبنانيّة.
مرّة أخرى تعيش "الجمهوريّة الإسلاميّة" في عالم خاص، علما أنّه يفترض بها التصالح مع الواقع الإقليمي الجديد. يكفي أخذ العلم بخروج "الحرس الثوري" من سوريا لإعطاء فكرة عن حجم التغيير في المنطق. لم تعد سوريا امتدادا لـ"الهلال" الفارسي الذي يبدأ في طهران ويمر في بغداد ودمشق… وصولا إلى بيروت حيث صار السفير الإيراني محمد رضا شيباني "شخصا غير مرغوب به"، من وجهة نظر السلطة اللبنانيّة.
تعتبر إيران أنّ وجودها في لبنان، يؤمّن لها السيطرة على قراره الوطني، بل إنّه جزء لا يتجزّأ من قدرتها على امتلاك أوراق في المفاوضات مع الولايات المتحدة، يبدو واضحا أن الاعتداءات التي تشنها على دول الخليج العربي تندرج في سياق هذه الإستراتيجية، إستراتيجية تجميع الأوراق. وهي إستراتيجية تحدّث عنها صراحة الرئيس جوزيف عون في حديثه الأخير إلى "سي. إن .أن". كان رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة في غاية الوضوح عندما اعتبر أنّ ليس مقبولا أن يكون لبنان "ورقة مساومة" بين إيران والولايات المتحدة.
من لبنان، إلى دول مجلس التعاون الخليجي الست، تبدو الإستراتيجية الإيرانيّة واضحة كلّ الوضوح. لكنّ ذلك لا يحول دون التساؤل أي مستقبل للعلاقة بين إيران وجيرانها العرب مستقبلا، هذا إذا وضعنا جانبا العراق. ما مستقبل العلاقة الإيرانيّة – الخليجيّة في اليوم التالي لانتهاء الحرب الدائرة حاليا؟
الأكيد أن إيران، بغض النظر عن ظروف علاقتها بلبنان، فقدت ثقة دول الخليج العربية الست المنضوية في مجلس التعاون. تبيّن أن كلّ الكلام الصادر، في الماضي عن طهران، والذي يتعلّق بالتعاون من أجل صدّ التدخلات الخارجية وبناء سياسة مستقلّة لدول المنطقة بعيدة عن المحاور، لا علاقة له بالواقع والحقيقة لا من قريب أو بعيد. كان كلاما إيرانيّا مضحكا مبكيا لا ترجمة له على أرض الواقع في أي بلد من دول المنطقة. كذلك، تبيّن أن كل ما تسعى إليه إيران هو الهيمنة على المنطقة وجعل مركز القرار الإقليمي في طهران. لا يدلّ ذلك سوى على جهل بطبيعة دول مجلس التعاون الخليجي من جهة وتجاهل معرفة هذه الدول بحقيقة النيات الإيرانيّة من جهة أخرى. من بين الأخطاء الأساسية التي يرتكبها النظام الإيراني ذلك الاستخفاف بدول الخليج العربي وما حققته من تدم وتطور على صعد مختلفة. لماذا لا تحاول “الجمهوريّة الإسلاميّة” تقليد التجارب الخليجية بدل العمل على ابتزاز دول مجلس التعاون؟ إلى أين يمكن أن يأخذها هذا الابتزاز؟
تبيّن، فوق ذلك كلّه، أنّ “الجمهوريّة الإسلاميّة” لم تتخل منذ لحظة قيامها في العام 1979 عن شعار “تصدير الثورة”، أي تصدير الثورة إلى دول الجوار. فشلت في ذلك في البداية. كان ذلك بفضل العراق في عهد صدّام حسين الذي شكّل، على الرغم من كلّ ارتكاباته وغبائه السياسي، حاجزا حال دون التمدد الإيراني في العراق نفسه وفي دول المنطقة. لا يمكن تجاهل أن العراق خاض حربا استمرّت ثماني سنوات مع إيران. انتهت هذه الحرب في 1988 بأن اضطر آية الله الخميني إلى القول أنّه مضطر لتناول “كأس السم”.
لكنّ الولايات المتحدة، ما لبثت أن قدّمت العراق على صحن من فضّة إلى “الجمهوريّة الإسلاميّة”. قلبت أميركا المعادلة الإقليميّة رأسا على عقب. عمليا، أعطت إدارة جورج بوش الابن الضوء الأخضر لإيران كي تتغلغل في العراق. في النهاية، عادت الميليشيات المذهبيّة العراقيّة التي قاتلت الجيش العراقي طوال ثماني سنوات إلى بغداد من طهران. عادت إلى العاصمة العراقيّة… على دبّابة أميركيّة.
هل تعلّمت الولايات المتحدة شيئا من درس تسليم العراق إلى إيران؟ لا يزال صعبا الإجابة عن هذا السؤال. سيتوقف الكثير على كيفية انتهاء الحرب الدائرة حاليا بين أميركا والجمهورية الإسلاميّة"، على نار حامية أحيانا وعلى كلام عن وقف للنار في أحيان أخرى. هل ستنتهي هذه الحرب بصفقة؟ ما طبيعة هذه الصفقة؟ هل ستكون دول الخليج مطلعة عليها وعلى تفاصيلها أم لا؟
الثابت أنّ طبيعة الصفقة التي يسعى إليها دونالد ترامب ستكون لها أهمّيتها ليس على مستقبل العلاقات بين طهران وواشنطن فحسب، بل على صعيد العلاقة الإيرانيّة – الخليجيّة أيضا.
في العام 2003، كانت الانطلاقة الجديدة للمشروع التوسّعي الإيراني. كانت تلك الانطلاقة من العراق. توسّعت هذه الانطلاقة في كلّ الاتجاهات مع تركيز خاص على لبنان حيث اغتال “حزب الله” رفيق الحريري بغية القضاء على أي أمل باستعادة لبنان عافيته وعودته إلى خريطة الشرق الأوسط. مهّد اغتيال الحريري الأب لوضع اليد الإيرانيّة على لبنان في الكامل في ضوء أضرار الجيش السوري إلى إنهاء احتلاله للبلد.
من الآن، على الرغم من كلّ التعقيدات التي ترافق الاتصالات الدائرة من أجل الوصول إلى صفقة أميركيّة – إيرانيّة، يخشى من استخفاف أميركي بأهمّية وضع حدّ للإستراتيجيّة الإيرانيّة القائمة على فكرة الابتزاز. ابتزاز لبنان… وابتزاز كلّ دولة من دول الخليج العربي.
هل تغيّر شيء بين 2003 و2026؟ هل بات لدى أميركا إستراتيجية تواجه بها الإستراتيجيّة الإيرانيّة ذات الانعكاسات السلبية على بلد مثل لبنان وعلى دول مجلس التعاون في الخليج؟