جمرُ الشرق الأوسط من يطفئُ حريقه

الشرق الأوسط يبدو وكأنه مسرح واسع تتقاطع فيه الامتدادات الجغرافية مع السياسة وتتحول فيه الأحداث العسكرية إلى موجات متلاحقة من القلق تمتد من مدينة إلى أخرى.

في ليلٍ ثقيل على مدن الشرق الأوسط، يرفع الناس رؤوسهم نحو السماء، كما لو أنهم يقرأون خبراً مكتوباً بالنار. أضواء الصواريخ التي تعبر الأفق تترك خطوطاً حمراء في السماء، بينما تتسابق الشاشات لنقل تفاصيل الضربات والردود. في تلك اللحظة، يبدو الشرق الأوسط وكأنه مسرح واسع تتقاطع فيه الامتدادات الجغرافية مع السياسة، وتتحول فيه الأحداث العسكرية إلى موجات متلاحقة من القلق تمتد من مدينة إلى أخرى.

التصعيد بين إيران وإسرائيل يندرج ضمن واحدة من أعقد معادلات الصراع في المنطقة، فالعلاقة بين الطرفين تقوم منذ عقود على خصومة سياسية واستراتيجية تشكلت بعد قيام الثورة الإيرانية عام 1979. ومنذ ذلك الوقت، تشكلت خطوط مواجهة غير مباشرة بين طهران وتل أبيب، وتوسعت مع تغير موازين النفوذ في الشرق الأوسط.

ومع مرور السنوات، انتقلت هذه المواجهة إلى أكثر من ساحة، ففي سوريا ظهرت الضربات الجوية المتكررة التي تستهدف مواقع مرتبطة بالنفوذ الإيراني، وفي لبنان يبرز حضور القوى المتحالفة مع طهران في معادلة الردع الإقليمي.

هذه الشبكة من التوترات جعلت الصراع بين إيران وإسرائيل يتجاوز حدود الدولتين ليصبح جزءاً من توازنات أوسع في المنطقة.

العامل الأكثر حساسية في هذه المعادلة يرتبط بالبرنامج النووي الإيراني. فإسرائيل تنظر إلى امتلاك طهران لقدرات نووية بوصفه تهديداً مباشراً لأمنها، بينما تؤكد إيران أن برنامجها يخدم أغراضاً مدنية.

وظل هذا الخلاف محوراً أساسياً في العلاقات الدولية خلال السنوات الماضية، ودفع قوى كبرى إلى التدخل دبلوماسياً في محاولة لضبط التوتر. وفي خضم هذا المشهد المعقد، يقف العراق في موقع حساس، فالجغرافيا العراقية تجعل البلاد قريبة من خطوط التوتر في الخليج، كما أن استقرارها يرتبط إلى حد كبير بمستوى الهدوء أو التصعيد في المنطقة. وقد جعلت التجربة العراقية مع الحروب خلال العقود الماضية المجتمع العراقي أكثر إدراكاً لكلفة الصراعات المفتوحة، لذلك يراقب العراقيون تطورات المواجهة بقلق واضح.

كما تنظر دول الخليج إلى استقرار المنطقة بوصفه ركناً أساسياً لأمن الطاقة العالمي، فالمياه الممتدة في الخليج تمثل واحداً من أهم الممرات التي تعبر منها صادرات النفط والغاز، وأي اضطراب أمني فيها يترك تأثيراً مباشراً على الاقتصاد الدولي.

وتدرك القوى الكبرى خطورة هذا التوازن الهش، فالولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية تتابع التطورات بدقة، بينما تحاول قنوات دبلوماسية متعددة احتواء التصعيد، غير أن تاريخ الشرق الأوسط يبين أن الأزمات المتراكمة تجعل الوصول إلى تهدئة دائمة مهمة معقدة تتداخل فيها حسابات الأمن والسياسة والاقتصاد.

ويظهر الشرق الأوسط كمنطقة تعيش بين ذاكرة طويلة من الصراعات ورغبة مستمرة في الاستقرار، فالحدود الإقليمية التي شهدت حروباً متتالية عبر العقود تحمل في الوقت نفسه فرصاً لبناء توازنات جديدة تقوم على الحوار وتخفيف التوتر، فالتجارب المتراكمة في هذه المنطقة تؤكد أن السلام يحتاج إلى إرادة سياسية بقدر ما يحتاج إلى قوة عسكرية.

هكذا تستمر الحكاية في الشرق الأوسط بين لحظات التصعيد ومحاولات التهدئة، وبين أزيز الصواريخ وحسابات القوى الدولية. وتبقى المنطقة تبحث عن لحظة استقرار حقيقية تعيد رسم ملامح مستقبلها، لحظةً تتحول فيها بؤر الاشتعال إلى مساحات للتفاهم، وتتحول فيها الأزمات المتراكمة إلى فرص لبناء نظام إقليمي أكثر توازناً وقدرة على الصمود.

غير أن جمر الشرق لن يبرد ببيانات الإدانة التي تُتلى ثم تُنسى، ولن تُطفئه قرارات دولية تعجز عن تجاوز مصالح القوى الكبرى. ما تحتاجه المنطقة حقاً هو رؤية سياسية شجاعة تُقدّم الإنسان على الصراع، والتنمية على النزاع، والمستقبل على حسابات المحاور. عندها فقط يمكن أن تتحول دوامة التوتر المستمرة إلى مسار أكثر استقراراً، وتجد شعوب المنطقة ما افتقدته طويلاً: فرصة حقيقية للحياة بعيداً عن ظلال الحروب، في شرقٍ أرهقته النيران وأصبح بأمسّ الحاجة إلى الأمن والسلام والاستقرار.

ويبقى السؤال معلقاً فوق سماء الشرق الأوسط: هل تتعلم المنطقة من جراحها المتكررة، أم أن جمر الصراعات سيظل يشتعل جيلاً بعد جيل؟