نقاش مغاربي حول حدود عقوبة الغش في امتحانات البكالوريا
تونس – أعادت قضايا الغش في امتحانات البكالوريا لسنة 2026 في تونس والجزائر والمغرب فتح نقاش قديم ومتجدد حول أفضل السبل للتعامل مع الطلاب الذين يُضبطون في حالة تلبس بالغش أثناء الامتحانات. فمع إعلان السلطات المختصة عن اكتشاف عشرات الحالات وإحالة عدد من المتورطين إلى القضاء، برزت تساؤلات حول مدى فعالية المقاربة العقابية الصارمة، وما إذا كانت تمثل الحل الأمثل للحد من الظاهرة أم أنها تحتاج إلى مراجعة تأخذ في الاعتبار الأبعاد التربوية والاجتماعية للمشكلة.
وتعتمد معظم دول المنطقة على إجراءات مشددة ضد الغش في الامتحانات الوطنية، باعتبارها تمثل محطة حاسمة في المسار التعليمي للطلاب. وتشمل هذه الإجراءات إلغاء الاختبار أو الدورة كاملة، والحرمان من اجتياز الامتحان لفترات محددة، فضلاً عن المتابعات القضائية في الحالات التي تتضمن استخدام وسائل إلكترونية أو شبكات منظمة لتسريب المواضيع والأجوبة. وتبرر السلطات هذه السياسة بضرورة حماية مصداقية الشهادات التعليمية وضمان تكافؤ الفرص بين جميع المترشحين.
ففي تونس قررت الدائرة الجناحية بالمحكمة الابتدائية بسليانة قبول مطالب الإفراج عن تسعة تلاميذ كانوا قد أُودعوا السجن بتهمة الغش في الامتحان الوطني بواسطة سماعات إلكترونية. في وقت تتواصل فيه اختبارات الدورة الرئيسية التي يشارك فيها أكثر من 162 ألف مترشح وسط إجراءات مشددة لمكافحة الغش .
وكانت النيابة العمومية قد أصدرت يوم 5 يونيو/حزيران الجاري بطاقات إيداع بالسجن في حق التلاميذ التسعة، الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و19 سنة، إثر ضبطهم بصدد استعمال وسائل إلكترونية للغش داخل أحد مراكز الامتحان بمعتمدية بوعرادة. كما كثفت الوحدات الأمنية تحركاتها لمكافحة ظاهرة الغش الإلكتروني، حيث تمكنت فرقة الشرطة من تفكيك عدة شبكات في أنحاد البلاد مختصة في بيع وتركيب أدوات الغش الخاصة بامتحان البكالوريا. في إطار جهود أمنية متواصلة للحدّ من هذه الظاهرة.
أما في الجزائر التي تشدد العقوبات على الطلاب المتلبسين بحالة غش، فقد قضت محكمة الشراقة بالعاصمة الثلاثاء، بعقوبة 4 سنوات حبسا نافذا مع غرامة مالية بقيمة 200 ألف دينار، ضدّ مترشح حرّ لاجتياز امتحان البكالوريا وشقيقته، بتهمة تسريب مواضيع وأجوبة الامتحان.
وجاء في بيان لنيابة الجمهورية لدى المحكمة، أنها تلقّت الأحد الماضي إخطارا من طرف مصالح الدرك الوطني، حول ضبط المتّهم في حالة تلبس بأحد مراكز الامتحان في عين البنيان، وهو يقوم بتصوير الأسئلة باستعمال هاتفه النقال، لإرسالها إلى شقيقته عبر تطبيق واتساب لحلها واعادتها له.
وأصدرت المحكمة في الأغواط، أحكاما تتراوح بين 4 و5 سنوات حبسا نافذا مع غرامات مالية بين 400 ألف و500 ألف دينار، ضدّ 5 متّهمين بجنحة المساس بنزاهة امتحانات البكالوريا. بعد القيام بنشر وتسريب مواضيع وأجوبة الامتحانات النهائية للتعليم الثانوي باستعمال وسائل الاتصال عن بعد. وشهدت عدة مناطق جزائرية أخرى مثل تلمسان وبسكرة حالات مماثلة تم معاقبتها بالسجن والغرامة المالية.
وفي المغرب، أعلنت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة ضبط 4126 حالة غش في الامتحان الوطني الموحد لنيل شهادة البكالوريا برسم دورة يونيو/حزيران 2026، مسجلة ارتفاعا بنسبة 49 في المائة مقارنة بدورة 2025. وأكدت الوزارة أن هذا الارتفاع يعكس فعالية إجراءات المراقبة والرصد المعتمدة خلال الامتحانات.
وأرجعت الوزارة ارتفاع عدد الحالات المضبوطة إلى يقظة فرق الحراسة والمراقبة وتعميم استعمال النظام الإلكتروني المخصص لرصد الغش داخل مراكز الامتحان، مشددة على مواصلة تفعيل الإجراءات القانونية والتنظيمية والإدارية الرامية إلى حماية مصداقية شهادة البكالوريا وضمان تكافؤ الفرص بين المترشحين.
ويرى المدافعون عن المقاربة الصارمة أن التساهل مع حالات الغش من شأنه أن يوجه رسالة سلبية إلى الطلاب ويقوض الثقة في المنظومة التعليمية. ويؤكد هؤلاء أن العقوبات الرادعة ضرورية لمنع تحول الغش إلى سلوك اعتيادي، خاصة في ظل التطور التكنولوجي الذي أتاح وسائل جديدة وأكثر تعقيداً للتحايل على القوانين الامتحانية. كما يعتبرون أن حماية حقوق الطلاب الملتزمين تستوجب معاقبة المخالفين بشكل واضح وحازم.
في المقابل، يثير منتقدو هذه الإجراءات تساؤلات حول جدوى إحالة الطلاب، الذين يكون كثير منهم في سن المراهقة، إلى القضاء الجنائي. ويعتقد هؤلاء أن بعض العقوبات قد تكون مفرطة مقارنة بطبيعة المخالفة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بحالات فردية لا ترتبط بشبكات منظمة أو عمليات تسريب ممنهجة. ويرى أصحاب هذا التوجه أن المؤسسات التربوية مطالبة بالتركيز على المعالجة الوقائية والتوعوية بدلاً من الاقتصار على العقوبات الزجرية.
وقد دعت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان في هذا السياق إلى اعتماد مقاربة تربوية وتأديبية لمعالجة حالات الغش، معربة عن رفضها للعقوبات السجنية المسلطة على التلاميذ.
وأكدت الرابطة في بيان لها أن الغش سلوك مرفوض يمس بمبدأ تكافؤ الفرص ونزاهة الامتحانات، غير أنها اعتبرت أن العقوبات السالبة للحرية قد تؤدي إلى آثار نفسية واجتماعية خطيرة على التلاميذ وتنعكس سلباً على مستقبلهم الدراسي والمهني.
ودعت المنظمة إلى اعتماد عقوبات تربوية وتأديبية متدرجة تحافظ على هيبة الامتحان دون المساس بالحقوق الأساسية للتلاميذ، وتعزيز برامج التوعية بقيم النزاهة والاستحقاق والمسؤولية داخل المؤسسات التعليمية إلى جانب توفير الإحاطة النفسية والتربوية للتلاميذ ومرافقتهم. كما طالبت بفتح نقاش وطني حول إصلاح المنظومة التعليمية ومنظومة التقييم والامتحانات، بما يحد من ظاهرة الغش ويحفظ حقوق المتعلمين والإطار التربوي والأسرة التونسية.
بدورها، قررت وزارة التربية المغربية الانتقال من الرقابة التقليدية إلى الرقابة المدعومة بالتكنولوجيا بهدف وضع حدّ للاختلالات التي رُصدت خلال السنوات السابقة، ومن بينها حملات تسويق لأدوات تكنولوجية تسهل الغشّ في الامتحانات. وشملت الخطة الوزارية تزويد كلّ مراكز الامتحانات بجهاز رصد طورته شركة تابعة لجامعة محمد السادس، ويعتمد على تقنيات متقدمة تمكن من الكشف عن إشارات شبكات الهاتف الخلوي وخدمات "واي فاي" و"بلوتوث"، إضافة إلى مختلف الاتصالات المخفية التي قد تُستعمل في عمليات الغش الإلكتروني.
ويشير عدد من الخبراء التربويين إلى أن ظاهرة الغش غالباً ما تعكس ضغوطاً نفسية واجتماعية يتعرض لها الطلاب، مثل الخوف من الفشل أو ارتفاع سقف التوقعات الأسرية والمجتمعية. ومن هذا المنطلق، فإن معالجة الظاهرة تتطلب فهماً أعمق لأسبابها وليس فقط معاقبة نتائجها. ويقترح هؤلاء اعتماد برامج توعية وتعزيز الدعم النفسي والتربوي للطلاب إلى جانب تطبيق العقوبات القانونية عند الضرورة.
ويتمثل جوهر الجدل الحالي في البحث عن التوازن بين الردع والاحتواء؛ فبينما لا خلاف على ضرورة حماية نزاهة الامتحانات ومبدأ تكافؤ الفرص، يختلف الرأي العام والخبراء بشأن طبيعة العقوبات وحدودها. فهناك من يدعو إلى استمرار النهج الصارم باعتباره الضمانة الأساسية لمصداقية الامتحانات، فيما يطالب آخرون بمقاربة أكثر مرونة تميز بين الغش الفردي المحدود والجرائم المنظمة المرتبطة بتسريب الامتحانات أو الاتجار بالأجوبة.