تراجع الحبتور يثير التساؤلات حول حقيقة الاستثمارات في سوريا
أبوظبي - قال رجل الأعمال الإماراتي خلف الحبتور إنه حاليا لن يشارك بأي مشاريع استثمارية في سوريا حتى بالشراكة مع جهات حكومية، مبديا استعداده لتقديم الدعم الإنساني فقط بالمرحلة الحالية، في تصريح مفاجئ فتح باب التساؤلات حول الأسباب التي دفعته إلى تغيير موقفه بعد أشهر فقط من حديثه عن مشاريع كبيرة كان يعتزم تنفيذها في دمشق ومحافظات أخرى.
وجاء حديث الحبتور في مقابلة مع محطة "سي.ان.بي.سي" أوضح فيها أن الأولوية يجب أن تكون للسوريين في إعادة بناء اقتصاد بلادهم ثم للمستثمر العربي. لكنه بين في الوقت نفسه استعداده للعمل مع السوريين في الوقت الذي يريدونه مشيرا إلى أنهم يتمتعون بعقلية تجارية ويعرفون كيف يديرون الأعمال وهو أمر جيد وفق تعبيره.
ويسلط هذا التصريح المفاجئ لرجل الأعمال الإماراتي، الضوء على التحديات التي تواجه مساعي جذب الاستثمارات الأجنبية إلى سوريا، رغم كثرة الإعلانات عن مشاريع ضخمة وخطط لإعادة الإعمار، إذ يرى محللون أن من بين الأسباب المحتملة لتراجع الحبتور استمرار حالة عدم اليقين السياسي والأمني في سوريا، إذ لا يزال المستثمرون الأجانب يراقبون مدى قدرة السلطات الجديدة على ترسيخ الاستقرار وبناء مؤسسات قادرة على توفير بيئة استثمارية آمنة ومستدامة. فالمشاريع الكبرى تحتاج إلى ضمانات طويلة الأمد تتعلق بحماية الاستثمارات ووضوح القوانين وآليات فض النزاعات، وهي عناصر ما زالت قيد الاختبار بالنسبة لكثير من المستثمرين.
وكان رجل الأعمال الإماراتي قد زار العاصمة دمشق في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 ضمن وفد لاستكشاف فرص الاستثمار والتعاون. فيما كانت مجموعة الحبتور قد دخلت السوق السورية فعليا عبر قطاع السيارات، وأنشأت عددا من المعارض.
موقف الحبتور يعتبر مؤشراً على انتقال بعض المستثمرين من مرحلة التفاؤل الأولي إلى مرحلة إعادة تقييم المخاطر والعوائد الفعلية
وسبق أن أعلن الحبتور في فبراير/شباط الماضي أن الاستعدادات بلغت مراحل متقدمة لإطلاق مشروع استثماري ضخم في العاصمة دمشق بالتنسيق مع الحكومة السورية على أن يشمل لاحقاً مناطق أخرى في البلاد. ليشكل تصريحه الحالي خيبة أمل كبيرة وتراجعا عن خطوة هامة كانت قد عقدت عليها الآمال بشكل كبير في تعزيز الثقة بالمناخ الاستثماري السوري ربطا بوجود شخصية اقتصادية وازنة بحجم خلف الحبتور وما قد يستدعيه ذلك من حضور لاستثمارات أخرى خليجية وعربية.
وكتب الحبتور حينذاك منشورا على فيسبوك قال فيه "نتابع بفرح كبير الوفود العربية والدولية التي تزور سوريا وما يرافقها من اتفاقيات تعاون وإعلانات استثمارية هذا الحراك يعكس أملاً حقيقياً بمستقبل أفضل وسوريا وشعبها يستحقون كل خير".
وأضاف "من جانبنا، قمنا بخطوة أولى نعتبرها بداية عملية عبر قطاع السيارات، حيث أسّسنا معارض ومراكز لخدمات السيارات"، مؤكدا أن "سوريا وأهلها يعملون بحب وإخلاص وتفانٍ لإعادة بناء بلدهم، ويسعدنا أن نكون إلى جانبهم في هذه المرحلة المفصلية من إعادة الإعمار، وأن نُسهم في تأمين آلاف فرص العمل للسوريين".
وأشار الحبتور أن ما تشهده سوريا اليوم يعكس إرادة حقيقية للنهوض، مؤكدا أن العمل الجاد والشراكة الصادقة يشكلان الأساس لتحقيق البناء والاستقرار والتنمية المستدامة.
ويكشف تراجع الحبتور عن إشكالية أوسع تتعلق بالفجوة بين الزخم الإعلامي المصاحب للإعلانات الاستثمارية وبين الواقع الاقتصادي على الأرض في سوريا.
فمنذ التغيرات السياسية الأخيرة، شهدت الساحة السورية سلسلة من الإعلانات عن مشاريع بمليارات الدولارات في قطاعات العقارات والطاقة والبنية التحتية والسياحة، إلا أن معظم هذه المشاريع لا يزال في مرحلة التفاهمات الأولية أو الدراسات الفنية.
ويشير ذلك إلى أن الإعلان عن الاستثمارات لا يعني بالضرورة دخولها مرحلة التنفيذ، إذ غالباً ما تستخدم هذه الإعلانات لإظهار وجود ثقة دولية بالاقتصاد السوري الجديد وجذب اهتمام مستثمرين آخرين. غير أن المستثمرين الكبار يربطون قراراتهم النهائية بعوامل أكثر تعقيداً تتعلق بالاستقرار السياسي، ووضوح التشريعات، وتوافر التمويل، وقدرة المؤسسات الحكومية على تنفيذ التزاماتها.
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى موقف الحبتور باعتباره مؤشراً على انتقال بعض المستثمرين من مرحلة التفاؤل الأولي إلى مرحلة إعادة تقييم المخاطر والعوائد الفعلية، وهو ما قد يدفع العديد من المشاريع المعلنة إلى التأجيل أو إعادة الهيكلة قبل أن تتحول إلى استثمارات حقيقية قادرة على إحداث أثر ملموس في الاقتصاد السوري.
كما قد تكون الاعتبارات الاقتصادية والمالية عاملاً مؤثراً في القرار، فالبنية التحتية السورية تعرضت لأضرار واسعة خلال سنوات الحرب، بينما لا تزال قطاعات الكهرباء والمياه والنقل والخدمات المصرفية تواجه تحديات كبيرة. ويؤدي ذلك إلى رفع كلفة الاستثمار وتقليص هامش الربحية، خاصة في المشاريع العقارية والسياحية الضخمة التي تحتاج إلى بيئة تشغيل مستقرة وشبكة خدمات فعالة.
ويعتبر خلف أحمد الحبتور أحد أبرز رجال الأعمال في الإمارات وهو مؤسس مجموعة الحبتور التي انطلقت عام 1970 كشركة مقاولات، قبل أن تتحول إلى مجموعة اقتصادية كبرى لها نشاطاتها الوازنة في قطاعات الضيافة والعقارات والسيارات والتعليم والنشر كما أن نشاطها يخلق آلاف فرص العمل داخل الإمارات وخارجها.