'تلال الزعتر' رحلة في الذاكرة العربية المثقلة
بيروت - صدرت عن دار مرفأ للثقافة والنشر رواية "تلال الزعتر" للكاتب والروائي السوري أحمد خميس؛ العمل الذي يستقرئ تباينَ العلاقات الإنسانية وجدليّتها تبعاً لاختلاف الشروط التاريخية، والاجتماعية، والسياسية التي تولد في رحمها، كاشفاً عن الأثر البالغ لهذه الاشتراطات في تشكيل الوجدان والوعي الجمعي؛ لا سيما في الواقع العربي الذي شهد، منذ ثلاثينيات القرن الماضي، تبلور ملامح القومية العربية وتحوّلها من مجرد دفق شعوري إلى إطار مؤسساتي حزبي يترجم العواطف إلى مواقف وأفعال.
وفي خضم صيرورتها السردية، تفتح الرواية ملفات كبرى من الوجع الممتد؛ مستعيدةً مأساة "تل الزعتر" والمذبحة التي راح ضحيتها مئات -وربما آلاف- من الفلسطينيين والسوريين واللبنانيين، وصولاً إلى المجزرة المروعة في مدينة "حماة" السورية على يد "سرايا الدفاع"، كما تتقصى واقع "(الجولان السوري" المحتل ومحاولات ضمّه قسراً بقرار عام 1981، في حين تفكك من جانب آخر ظاهرة "التصوف" كتيار ديني حاول إيهام الكثيرين بوقوفه على الحياد وسط الحرائق العربية، غير أن لـ "تلال الزعتر" حكماً وموقفاً مغايراً. وعلى الصعيد الاجتماعي، تشرّح الرواية حالة "اليُتم" بوصفها ظاهرة شائعة في الجغرافيا العربية، حيث شكّلت شريحة الآباء الوقود الحيوي للحروب، والمعتقلات، والمنافي، مما انعكس سلباً على الأسرة كبنية مؤسساتية متماسكة.
وتنطلق الحبكة الروائية من تشابك المصائر والشخوص؛ ففي المشفى، تلتقي الأجساد المثخنة بالمرض؛ حيث يعاني "يامن" اليتيم من السكري، بينما تواجه "بيلا" التصلب اللويحي، ومن عتمة المرض المشترك، تنمو علاقة إنسانية تتكشف معها أسرار سحيقة وعنيفة، تنبشها السيدة "أنطوانيت"؛ زوجة أحد القادة السابقين للتيار اليميني المسيحي اللبناني. وتتكامل هذه اللوحة بشخوص يمثلون طيفاً من التناقضات والتحولات، ومنهم "ناصر"؛ الشاب السوري القادم من الشمال، والمنتسب سابقاً إلى تنظيم "الطليعة المقاتلة" الذي شارك في أحداث حماة واهماً بالقدرة على الإطاحة بالنظام، و"ناجي"؛ اللبناني الذي انتمى يوماً إلى إحدى الميليشيات المسيحية (النمور، الكتائب، المَرَدة) ليتوصل لاحقاً إلى قناعة بأن هذه التيارات لا تمثل مسيحيي لبنان وأن الوجود الفلسطيني لم يكن يشكل الخطر المدّعى، و"نشأت"؛ السوري المتجذر في قرية "مجدل شمس" المحتلة الذي رفض كل سياسات الترويض والتهويد ليعود إلى دمشق حاملاً هموم أهله، إلى جانب شخصية "بهاء الدين"؛ شيخ الطريقة الصوفية ومدير معهدها الغامض المحاط بالأسرار والريبة.
وفي شهادة وجدانية خاصة حول العمل، يعبّر الكاتب والروائي السوري أحمد خميس عن الرؤية الفلسفية والسردية التي رافقت ولادة الرواية قائلاً: "لطالما آمنتُ بأن توأمتنا السيامية وتلاصقنا المرضي بتاريخنا المؤلم المرعب، المليء بالثقوب، ليس رفاهية فكرية نرتاد بها آفاق البيان؛ بل هو مأساة نعيشها ونستعيدها كل يوم لأننا لا نزال نتخبط في المستنقع ذاته، وبطرائق التفكير عينها. ومن هذا المنطلق، لم تكن كتابة 'تلال الزعتر' نـزوة عابرة، وإنما كانت محاولة واعية لتفكيك تلك الارتباطات المتينة الملتفة بحبل دموي طويل حول أعناقنا.. دماء ونار لا تنقل الواقع بحرفيته، بل تستند إليه وتستمد منه جوهرها، لتغوص في عمق المنعطفات التاريخية العربية الكبرى عبر مصائر شخوصٍ نبتوا من محض المخيلة، وإن تداخلت ملامحهم مع شخصيات حقيقية معروفة لدى الجميع. لقد كتبتُ هذا العمل وأنا محاصرٌ كبقية أبناء جيلي بالجثث والأرواح، عائماً على بحر واسع من الدم، محاولاً تشريح ذاكرتنا المثقلة؛ فنحن لا نزال ننـزف ماضينا ونحمله كالأحشاء التي تحمل جنينها، لكننا نغذيه بالأحقاد والكراهية، وبالقبائل والطوائف والأديان، حتى تشتتنا كقمامة بلادنا في الأصقاع والأمصار، وغدونا لا نعدو أن نكون أكثر من زائدة دودية متورمة في خاصرة هذا الكوكب. وفي خضم هذا الشتات, لم تسعَ الرواية إلى تقديم تحليل سياسي مجرد أو مناقشة قضية بعينها، بل رمت إلى رصد انعكاس هذه القضايا والتحولات مجتمعة على علاقاتنا الإنسانية؛ ففي داخلي، وفي داخل كل منا، تلال وتلال من الزعتر، وفينا ألف نكبة ونكسة، وألف خنجر، لجيلٍ بات بارعاً في الحروب الأهلية والتعذيب ومصادرة الأحلام".
ويستطرد خميس في شهادته مبيناً الأثر النفسي للمنافي والمستقبل الذي يتطلع إليه: "حين خططتُ هذه السطور، كنتُ أحمل في جعبتي الفتى الخائف، المضطرب، والمريض الذي ظننتُ يوماً أنني تركته خلفي، فإذ بي أكتشف أنني خبأته جيداً في حقيبة السفر، ليقطع معي الحدود نحو هذه المنافي السود التي اعتقدتُ أن فيها الخلاص، لأجدني أبحث عن الخلاص منها. وفي 'تلال الزعتر'، لا شيء يحدث صدفة؛ كل الشخوص كانوا هناك رغماً عن تباين مواقفهم، فالجلادون كثر والضحايا كثر، لكنني بذلتُ جهدي لأقول من خلال انكساراتهم ومصائرهم المعقدة، إنه لا يزال للحب متسع من المكان رغماً عن الموت، والاعتقال، وقسوة المنافي. إنني أقدم هذه الرواية كشهادة على عصرنا، مؤكداً أن الوجدان والضمير هما البوصلة الوحيدة واللبنة الأساسية التي سنهتدي بها نحو دربنا، والحجر الأساس لبناء دول تحترم شعوبها وتصون كرامتهم.. وعليه، فقد كتبتُ ما كتبتُ، وانتهيتُ حيث كان لزاماً عليّ البدء".