احتجاز إسرائيل لأموال المقاصة يهدد استقرار السلطة الفلسطينية
رام الله - تواجه السلطة الفلسطينية واحدة من أصعب الأزمات المالية في تاريخها نتيجة استمرار إسرائيل في احتجاز أموال المقاصة، التي تمثل المصدر الرئيسي لإيراداتها، إلى جانب تراجع النشاط الاقتصادي وانخفاض المساعدات الخارجية وتقلص دخول العمال الفلسطينيين العاملين داخل إسرائيل.
وتنعكس هذه العوامل مجتمعة على قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها المالية، ما دفعها منذ أشهر إلى صرف أجزاء من الرواتب بدلاً من قيمتها الكاملة.
وتُعد أموال المقاصة ضرائب وجمارك تجبيها إسرائيل نيابة عن السلطة الفلسطينية على السلع الواردة إلى الأراضي الفلسطينية، وفق بروتوكول باريس الاقتصادي الموقع عام 1994. وتشكل هذه الأموال نحو 56 بالمئة من إجمالي الإيرادات العامة الفلسطينية، ما يجعل أي تأخير أو اقتطاع فيها يؤثر مباشرة على قدرة الحكومة على دفع الرواتب وتقديم الخدمات العامة.
ومنذ عام 2019 بدأت إسرائيل باقتطاع مبالغ من هذه الأموال لأسباب مختلفة، ثم أوقفت تحويلها كاملة قبل نحو عام، الأمر الذي عمّق الأزمة المالية ووضع السلطة أمام تحديات متزايدة.
السلطة الفلسطينية استخدمت خلال العامين الماضيين معظم أدواتها المالية الداخلية
ويقول الخبير الاقتصادي نصر عبدالكريم إن المشكلة لم تعد مرتبطة بأسباب الأزمة أو آثارها فحسب، بل بمدى قدرة السلطة الفلسطينية على الاستمرار في إدارتها في ظل تضاؤل الخيارات المالية المتاحة. ويوضح أن الحكومة استنفدت خلال السنوات الماضية معظم الأدوات التي استخدمتها لمواجهة الأزمات، سواء عبر الاقتراض من البنوك أو تأجيل مستحقات القطاع الخاص أو تراكم الديون والمتأخرات.
ويرى عبدالكريم أن استمرار احتجاز أموال المقاصة يضع السلطة أمام معضلة حقيقية، خصوصاً في ظل تراجع مصادر الدخل الأخرى وتدهور الأوضاع الاقتصادية في الضفة الغربية. كما يشير إلى أن الأزمة تجاوزت مسألة الرواتب، بعدما فقد عشرات آلاف العمال الفلسطينيين وظائفهم داخل إسرائيل، بالتزامن مع تباطؤ الحركة التجارية وانكماش الاقتصاد المحلي.
ويؤكد أن الحكومة تواجه واقعاً يتمثل في انخفاض الإيرادات مقابل استمرار الالتزامات المالية، في وقت تراجعت فيه قدرة الاقتصاد على توليد موارد إضافية. لذلك يرى أن الإفراج عن الأموال المحتجزة أو توفير شبكة أمان مالية عربية ودولية أصبح ضرورة ملحة لتجنب تفاقم الأزمة.
ورغم الدعوات الفلسطينية المتكررة لتفعيل شبكة الأمان المالية العربية، التي أقرت عام 2010 بقيمة 100 مليون دولار شهرياً لدعم الحكومة الفلسطينية في أوقات الأزمات، فإن هذه الآلية لم تُفعّل حتى الآن بالشكل المطلوب.
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي أيهم أبو غوش أن السلطة الفلسطينية لا تزال قادرة على الاستمرار خلال الفترة المقبلة في صرف أجزاء من الرواتب مستفيدة من الإيرادات المحلية وبعض المنح الدولية. ويشير إلى أن الحكومة تعتمد حالياً على موارد داخلية ومنحة أوروبية بقيمة 210 ملايين يورو موزعة على عدة أشهر، إضافة إلى دعم من البنك الدولي وآمال مرتبطة بنتائج مؤتمر المانحين المرتقب.
الإفراج عن الأموال المحتجزة أو توفير شبكة أمان مالية عربية ودولية أصبح ضرورة ملحة لتجنب تفاقم الأزمة
لكن أبو غوش يؤكد أن هذه الموارد لا تمثل حلاً جذرياً للأزمة، بل توفر هامشاً زمنياً إضافياً يسمح للحكومة بمواصلة عملها مؤقتاً. ويوضح أن الاقتصاد الفلسطيني يعتمد تاريخياً على ركيزتين أساسيتين؛ الأولى الإنفاق الحكومي الذي يتراوح بين 18 و19 مليار شيكل سنوياً (6.1 -6.5 مليارات دولار) ويشكل نحو ثلث النشاط الاقتصادي، والثانية دخول العمال الفلسطينيين العاملين داخل إسرائيل والتي كانت تضخ ما يزيد على خمسة مليارات دولار سنوياً قبل الحرب على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ويشير إلى أن تراجع هذين المصدرين أدى إلى انخفاض السيولة المالية في الأسواق وإضعاف النشاط الاقتصادي، ما تسبب في ارتفاع معدلات البطالة والفقر وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين.
ولا تقتصر آثار الأزمة على الموظفين الحكوميين، بل تمتد إلى قطاعات اقتصادية عديدة مرتبطة بالإنفاق الحكومي، مثل شركات المقاولات والأدوية والخدمات. كما يحذر أبو غوش من انعكاساتها على القطاع المصرفي الفلسطيني، نظراً لحجم ارتباطه بالحكومة وموظفيها.
وبحسب تقديراته، تبلغ التسهيلات الائتمانية المقدمة من البنوك الفلسطينية نحو 12 مليار دولار، يرتبط ما يقارب 7 مليارات دولار منها بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالحكومة وموظفي القطاع العام والشركات المتعاملة معها. ولذلك فإن استمرار الأزمة لفترة طويلة قد يزيد المخاطر على الجهاز المصرفي ويحد من قدرته على تمويل القطاع الخاص والاستثمار.
ويؤكد أبو غوش أن السلطة الفلسطينية استخدمت خلال العامين الماضيين معظم أدواتها المالية الداخلية، ما جعل هامش المناورة محدوداً للغاية. ويرى أن مستقبل الأزمة بات مرتبطاً بعاملين رئيسيين: استئناف تحويل أموال المقاصة كاملة، وحجم الدعم المالي الذي يمكن أن يقدمه المجتمع الدولي خلال الفترة المقبلة.
وفي ظل غياب مؤشرات على حل قريب لأزمة المقاصة، تبدو السلطة الفلسطينية أمام تحد مالي واقتصادي متصاعد يتجاوز قضية الرواتب الشهرية إلى مستقبل الاقتصاد الفلسطيني بأكمله، وسط تحذيرات من تفاقم الضغوط على المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص والبنوك وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، الأمر الذي يجعل إيجاد حلول سياسية ومالية عاجلة ضرورة للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في الأراضي الفلسطينية.