الساحرة المستديرة في التراث والشعر العربي

الجماهير تمثّل ملح كرة القدم، ولولاها لما تربعت هذه الرياضة على العرش بوصفها الرياضة الأكثر عالمية، متخطية الوصف الشعبي اللصيق بها إلى آخر لا يخلو من تعقيد، حتى استحالت إلى ظاهرة واسعة الانتشار بقدر ما هي شائكة وملغزة.
صلاح عبدالستار محمد الشهاوي
طنطا

جرت العادة أن يكون موضوع كرة القدم موضوعاً رياضيّاً، لكن ينبغي أحياناً أن نتأمل كرة القدم كلعبة للتأمل الثقافي وأداة للإبداع الأدبي، فما الذي يميز كرة القدم عن باقي الرياضات الأخرى، حتى تحتل هذه المكانة في قلوب الملايين، ومنهم المفكرون والأدباء؟!.

منذ نشأة كرة القدم وهي مرتبطة بالجماهير والمناصرين برابط وثيق العلاقة. إذ لا يمكننا أن نتخيل كرة القدم من دون جماهير تضيف الكثير بطقوسها التشجيعية المتنوعة -بحكم الاختلاف الاجتماعي والتعددية الثقافية- إلى لعبة كرة القدم. إن الجماهير باختصار هي مَلح كرة القدم، ولولاها لما تربعت هذه الرياضة على العرش، بوصفها الرياضة الأكثر عالمية، متخطية الوصف الشعبي اللصيق بها إلى آخر لا يخلو من تعقيد، حتى استحالت إلى ظاهرة واسعة الانتشار بقدر ما هي شائكة وملغزة.

ومما لا شك فيه أن كرة القدم، وبعد المكانة التي بلغتها، لم تعد مجرد جلدة منفوخة بالهواء تُركل بالأقدام، بل أصبحت من أكثر الوسائل استغلالاً وأيسرها تطبيقاً لتحقيق أهداف تبتعد أحياناً كل البعد عن الرياضة وروح التنافس، فقد باتت ظاهرة كونية تسيل اللعاب لما تنطوي عليه من إمكانات استثمار واستغلال قصوى لجهة حجم التأثير الممكن إحداثه، وهذا ما يفسِّر إقحام جوانب عديدة فيها؛ سياسية واقتصادية واجتماعية، على أيدي أطراف ذات أطياف وأجندات متنوعة، يسعى كل منها إلى غاياته وأغراضه، غير الرياضية بالضرورة! 

وفي حين أن كل أنواع الرياضة تحظى بجماهير متحمِّسة لفريق دون آخر، فإن مستويات هذه الحماسة وأشكال التعبير عنها تختلف من رياضة إلى أخرى. ولكن مما لا شك فيه أن كرة القدم تبقى الميدان الذي يؤجج عواطف الجماهير بشكل أوضح بكثير من غيره، وعلى المدرَّجات المحيطة بملاعب كرة القدم نجد أكبر الأمثلة (وأسوأها) عن حالات انقلاب الولاء إلى تعصُّب يقلب أحياناً الوعد بالبهجة والاحتفال إلى مصائب وكوارث.

والحقيقة أن هناك سؤال شغلني كثيراً. وهو: لماذا استعصت لعبة – كرة القدم – علي الأدب؟ بفروعه المختلفة، هل لأنها لعبة غير قابلة للتدوين؟ ولما فشلت في الحصول علي إجابة لهذا السؤال، بحثت عن الكرة في الأدب والتراث العربي حتى عثرت علي هذه السطور والتي أردت أن أشرك القراء الكرام في مطالعتها. 

كرة القدم هي اللعبة الأكثر شعبية في العالم. واللعبة المعشوقة للتفرج واللعب، التي يمارسها الأطفال والشيوخ، والتي تمارس تلقائيا منذ الصغر. 

فقد خرجت كرة القدم من نطاقها الضيق كلعبة مثيرة إلى حد الجنون، شعبية إلى حد الهوس العالمي، وأصبحت نشاطاً اقتصاديا له رجاله. وثقافة لها أهلها وفرسانها، لها مفرداتها ولغة في إطار أدبيات كروية تتجاوز أخبار اللاعبين ووصف المباريات إلى فلسفة اللعبة، وأصبحت ظاهرة اجتماعية حقيقية ثابتة المعالم، وعضوا ثقافيا في سلم المجتمع.

ولقد عرفت هذه اللعبة أمم كثيرة ولكن بصورتها البدائية. من تلك الأمم: الصين والهند واليونان والرومان وغيرها، وقد وجدت نقوش فرعونية علي جدران معبدي الأمير "خبتي" و الأمير "باكت" لنسوة يلعبن بكرات مستديرة. وأكد العلماء أن هذه النقوش تعود إلي العام 2040ق.م، وكتب هيرودوت أبو التاريخ عام 448 قبل الميلاد يقول: "عندما زرت مصر وجدت هناك لعبة تسمى لعبة الكرة، يصنعها المصريون من جلد الماعز، ويحشونها بالقطن أو القش، ويركلها اللاعبون بالأقدام بين فريقين يتنافسان حتى تصل الكرة إلى نقطة نهاية لتحتسب بعد ذلك هدفا".

وعن المصريين القدماء نقل الفينيقيون ألعاب الكرة، فانتشرت في اليونان ومنها أخذ اللعبة الرومان وعبروا بها المانش إلي بريطانيا.

ومن الثابت تاريخيا أن تراث الأدب العربي مليء بأنواع شتي من الرياضة البدنية منها علي سبيل المثال: العدو، الفروسية، العب بالعصا. حتى الرياضة الذهنية: الشطرنج والألغاز والمسائل الحسابية. 

أما بخصوص كرة القدم. التي هي أهم وأشهر اللعبات الرياضية في العصر الحالي. فإننا إذا نظرنا في صفحات تراثنا الأدبي من شعر ونثر لوجدنا عنها الشيء الكثير. جاء في لسان العرب. الكرة: التي يُلعب بها أصلها كروة فحذفت الواو. كما قالوا قُلة: التي يلعب بها والأصل قُلوة- وجمع الكرة كرات وكرون. وقال الجوهري: الكرة أصلها كرو والهاء عوض، وتجمع علي كرين. وكرين أيضا بالكسر، وكرات.

وتسمى في بعض المجتمعات العربية: الكِلَّة وجمعها كِلِل.

ويَعتبر البعض العرب والمسلمون أول من وضع قواعد عامة لكرة القدم ونظموها وابتكروا لها وسائل تجعلها لعبة جميلة ومسلية في آن واحد.

كانت الكرة في أول الأمر تصنع من الحجارة والآجر. ثم الخرق، وكانت الكرات المصنوعة من الخرق تسمي "اللوثة" وجمعها "لوثات" وكانت تصنع أحيانا من مادة لينة تشبه المطاط وإن لم تكن منه وكانت تُكسي أحيانا بالجلود أو الفراء وخاصة فراء الأرنب فتبدو مثل الكرة المعروفة حاليا.  

أما عن الكرة في الشعر العربي. 

يقول الشاعر الجاهلي عمرو بن كلثوم :

          يدهدهون الرؤوس كما تدهدي      حزاورة بأبطحها الكُرينا.

يدهدهون: يدحرجون، الحزاورة: الغلمان الغلاظ الشداد، الأبطح: الملعب: مكان مطمئن من الأرض، الكرينا: الكرات أو الأكر(جمع كرة)

ويقول شاعر آخر يصف الكرة إبان مباراة بقوله:

          كرة طرحت بصوالجه          فتلقفها رجل رجل.

كما تقول ليلي الإخيليه (ت:42هـ) وهي تصف قطاه تدلت علي فراخها:

      تدلت علي حصي طماء كأنها        كرات غلام في كساء مؤرنب.

الحصي: جمع أحصيّ أي أفراخ لا ريش عليها. الكرات جمع كرة. الكساء المؤرنب: غلافها المنسوج من الغزل المخلوط بوبر الأرنب لنعومتها وكونها نفيسه.

ويقول أبونواس في وصف كلب صيد يلعب بأرنب مثل لعب صغير بكرة الدبوق (كرة القدم)

     انعت كلباً ليس بالمسبوق        مُطهماً يجري على العروق

     جاءت به الأملاك من سلوق     كانه في الموقد الممشوق

    إذا عدا عدوة لا معوق           يلعب بين السهل والخروق

    بأرنب وثابةٍ عقوق               لعب وليد الحي بالدبوق. 

ومن أبلغ ما قرأت حول الكرة من كتاب محاضرات الأدباء! وهو تصوير بديع لحالة حبها ثم ركْلها قول أبي قريش بن أسوط يصف الكرة:

               يحبُّ دنوَّها لهفاً إذا ما     دنتْ منه بكدٍّ أي كدِّ
              قلاها ثم أتبعها بضربٍ    وأعقب قربها منه ببعدِ.

وبديع التشبيه قول أبي بكر ناصح الأرجاني المتوفى سنة 544هـ يصف غلاما يلعب الكرة مع أقرانه:

              يهتز مثل الصعدة السمراء       فقده من شدة التواء

             تراه من تمدد الأعضاء           كأنه كوكب الجوزاء.

ومن الظريف أن بعض علماء التربية العرب الذين كتبوا الرسائل في توجيه الناشئة لم يكونوا يستحسنون لعبة كرة القدم، من هؤلاء العلماء: الفقيه العربي بن محمد المساري صاحب كتابه سراج طلاب العلوم (ت: 1185هـ) الذي يقول شعراً:

    ولعب الكرة ليس مذهبي            إذ فيه للقتال أقوي سبب

    يُدنسُ المروءة المُحصنة            ويطرد الوقار والسكينة

    فما رأيت فيه شيئاً يحمد            فترك فعله لدي أحدُ.    

كما يقول أحمد الصافي النجفي عن كرة القدم:

         لعب الكرات كالدنيا لنا              فيه تنازع وزحام 

         كرة تطير بلا جناح في الهواء     فتطير تابعة لها الأحلام 

         الكل يعشقها وعنه يصدها        فكأن بينهما اللقاء حرام.

وللشاعر معروف الرصافي قصيدة بعنوان: في ملعب كرة القدم، صور فيها الملعب وكأنه ساحة للمعركة والأسلحة فيه الأرجل والأقدام، كما وصف فيها اللاعبين بأنهم وقفوا مستعدين في الملعب لضربة البداية فلما ألقيت إليهم أخذوا يتبادلون ويتناوبون عليها ضربا بالأقدام، وإذا علت تستعد الرؤوس لضربها فمن اللاعبين من هو مهاجم ومنهم مدافع فليس هناك حالة من الاستقرار بل تتحول من الهجوم إلى الدفاع والعكس يقول الشاعر مادحا كرة القدم:

     قصدوا الرياضة لاعبين وبينهم      كرةُ تُراض بلعبها الأجسامُ

     وقفوا لها متشمَّرين فألقيت         فتعاورتها منهم الأقدام
    يتراكضون وراءها في              ساحة للسُّوق مُعترك بها وصِدام
    رَفساً بأرجلهم تساق وضربُها      بالكف عند اللاعبين حَرام
    ولقد تحلَّق في الهواء وإن هوت    شرعوا الرؤوس فناطحتها الهام
    وتخالها حيناً قذيفة مدفَع             فتمر صائنةً لها إرزام
    ولربما سقطت فقام حِيالَها            للضرب عَبل الساعدين همام
    فتخالها وتخاله كفرسةٍ              سقطت فزمجر دونها الضرغام
    لا تستقر بحالة فكأنها               أمَلٌ به تتقاذف الأوهام
    تنحو الشمالَ بضربة فيردّها         نحو الجنوب مُلاعب لطَّام
    وتمر واثبة على وجْه الثرَى        مَرًّا كما تتواثب الآرام
    وتدور بين اللاعبين فمُحْجم         عنها وآخر ضارب مِقدام
    وكأنها والقوم يَحنو شونها          قلْب عليه تَهَاجَمُ الآلام
    راضوا بها الأبدان بعد طِلابهم      علماً تراض بدرسه الأفهام
    أبناء مدرسة أولاءِ وكلهم           يَفَع مَرير المرفقين غلام
    لا بدَّ من هَزل النفوسِ فجدّها       تعَب وبعضُ مُزاجها استجمام
    فإذا شغلت العقل فآلُه سُويعة        فاللهو من تعب العقول جِمام
    والفكر مَنهكة فباستمراره           تهِنُ العقولُ وتهْزَل الأجسام
    إن الجسوم إذا تكون نَشيطة        تقوى بفضل نشاطها الأحلام
    هذي لاعبهم فجسمك رُض بها      واسلك مسالكهم عَداك الذامُ.

أما الشاعر محمود أبو لوفا فقد بترتْ ساقُه وهو في العاشرة من عمره إثر عملية جراحية فاشلة ولكنه مع ذلك كتب قصيدة لكرة القدم التي تلعب بالأقدام قال فيها:

       كرةُ القدم كرةُ القدمِ          هي لعبتُنا منذُ القدمِ

      يا ابن النيلِ يا ابن الهرمِ     العبْ العبْ كرةَ القدمِ

      للكرة نداءٌ يُشجينا            ويطيرُ بنا صوبَ الهدف

      وكأنَّ صداهُ ينادينا            سيروا سيروا نحو الشرفِ

      في العالم نحن لنهضتنا      أصحابُ الرايةِ والعلمِ

      ومتى كنَّا في ساحتِها       كُنَّا الحرَّاس على القيم

أما الأستاذ علي الجندي فله قصيدة بعنوان: ملاعب الكرة منها:

       لم أنس موقفهم وقد شاهدتهم        يتجالدون بحومة الميدان

       يتلقفون بحكمة ومهارة              كرة تطير كحائم العقبان

       كل لها مترقب متربص               كالقط يرصد سانح الجرذان

       يتنازعون الفوز فيما بينهم        وقلوبهم خلو من الأضغان.

ويقول الشاعر صلاح دبشه في إحدى قصائده القصيرة:

     أنتبه

    عند الأشياء التي أحبها

     بعد أن رأيت هؤلاء

    الذين يحبون الكرة كثيراً

    ولا يتعاملون معها

    إلاَّ بأقدامهم.

وقال فواز اللعبون مقارنا بين الحب والكورة:

    لم يَهْوَ قلبي رياضاتٍ وأنديَةً      لَمّا تَعَلّقَ في ليلى وفي نُورَةْ 

    أُشَجِّعُ الحُسنَ في حسناءَ فاتنةٍ    والكأسَ أَمنحُهُ حسناءَ مغرورَةْ 

    هذا هو الهدفُ المأمولُ لا هدفٌ   في تصفياتٍ بها الأقوامُ موتورَةْ 

    حقيقةٌ هي في الدنيا مُجَرَّبةٌ       لا يَجمعُ اللهُ بين الحُبِّ والكُورَةْ

وختاما:

     حي الرياضة ما استطعت فإنها   في كل شعب للإخاء شعار

     يتفرق الأفراد في أهوائهم        ولدى الرياضة كلهم إخوان.