تخبط وعزلة يُسرّعان تصدع جبهة بوليساريو
الجزائر - تكشف تصريحات زعيم جبهة "بوليساريو" إبراهيم غالي خلال ما يسمى بـ"ملتقى الأمناء والمحافظين"، والتي تضمنت دعوات إلى التصدي لمحاولات بث التفرقة والانقسام، عن مؤشرات على وجود تصدعات داخل الجبهة، في ظل حالة التخبط التي تعيشها قيادتها نتيجة تلاشي الطروحات الانفصالية وتنامي المكاسب الدبلوماسية التي حققها المغرب في ملف الصحراء المغربية، وهو ما أضعف رهانات الجبهة ووضعها أمام أزمات غير مسبوقة.
وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه ''بوليساريو" عزلة سياسية متزايدة بعد أن انفض من حولها أغلب داعميا، بالتوازي مع نجاح المغرب في تعزيز موقعه الدولي في قضية صحرائه، عبر توسيع دائرة الدعم لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها حلا واقعيا وذا مصداقية، وهو ما أدى إلى تراجع التأييد التقليدي للأطروحة الانفصالية وإضعاف قدرتها على استقطاب الدعم الخارجي.
ويرى مراقبون أن حالة التصدع الحالية ليست معزولة عن سلسلة الانتكاسات التي مُنيت بها الجبهة خلال السنوات الأخيرة، حيث فشلت في تحقيق أي اختراق سياسي أو دبلوماسي، بينما تمكن المغرب من ترسيخ مكاسبه على المستوى الدولي، الأمر الذي انعكس على المزاج العام داخل مخيمات تندوف، حيث تتزايد الأصوات المنتقدة لأداء القيادة ولسنوات من الجمود السياسي.
وبات عدد متزايد من سكان المخيمات ينظر إلى التحولات الدولية الأخيرة باعتبارها دليلا على تآكل المشروع الانفصالي، خاصة مع تنامي الاعترافات الدولية بمغربية الصحراء واتساع التأييد لمقترح الحكم الذاتي، ما عزز القناعة بأن الطروحات التي تبنتها الجبهة لعقود لم تعد تحظى بنفس الزخم الذي كانت تتمتع به في السابق.
ويعكس حديث إبراهيم غالي عن "معركة وجودية" و"هجمة ممنهجة" تستهدف الجبهة في جوهره حجم الأزمة الداخلية التي تعيشها بوليساريو، ومحاولة تحويل الأنظار نحو ما تصفه بـ"تهديدات خارجية" لتفادي الخوض في الأسباب الحقيقية للتوترات والانقسامات المتنامية داخل المخيمات.
كما تشير الدعوات المتكررة إلى تعزيز الوحدة ومواجهة ما تصفه القيادة بـ"الظواهر المشينة" و"زرع التفرقة" إلى وجود مخاوف متزايدة من تصاعد الاحتجاجات الداخلية وتآكل شرعية القيادة، في ظل تزايد التساؤلات بشأن حصيلة عقود من إدارة النزاع دون تحقيق الأهداف التي رفعتها الجبهة.
ويشير مراقبون إلى أن الضغوط التي تواجهها بوليساريو لا تقتصر على تراجع التأييد السياسي والدبلوماسي، بل تمتد إلى مخاوف متزايدة من تشديد الرقابة الدولية على أنشطتها، فضلا عن تصاعد الدعوات في بعض الأوساط الغربية لإعادة النظر في مخططات الجبهة وعلاقاتها الإقليمية، وسط حديث متزايد عن احتمال إدراجها ضمن قوائم التنظيمات الإرهابية، وهو ما من شأنه أن يزيد من عزلتها ويضيق هامش تحركها.
ويعتبر متابعون أن تعدد عوامل الضغط، من الانتكاسات إلى التراجع الدبلوماسي والعزلة المتزايدة، ساهم في تعميق حالة الإرباك داخل الجبهة، وأدى إلى تصدعات باتت أكثر وضوحا من أي وقت مضى، في وقت يواصل فيه المغرب حصد مزيد من المكاسب الدولية التي عززت موقعه في ملف الصحراء المغربية.
وفي ظل هذه التحولات، تبدو الانقسامات الداخلية مرشحة لمزيد من الاتساع مع استمرار تغير موازين القوى الإقليمية والدولية لصالح الحل المغربي الذي رسخه القرار الأممي الأخير كأساس وحيد للتفاوض حول إنهاء النزاع المفتعل.