دمشق تعكف على طي ملف السويداء في امتحان لمؤسساتها

السلطة السورية تدرك أن نجاح أي خطة لإعادة الاستقرار إلى السويداء يتطلب معالجة حالة انعدام الثقة لا وليس فقط تأمين العودة المادية للنازحين.

دمشق – أكدت وزارة الداخلية أن ملف عودة الأهالي النازحين من ريفي السويداء الشمالي والغربي يحظى بأولوية خاصة، مشددة على التزامها باتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لتأمين عودتهم إلى منازلهم ومناطقهم الأصلية.
ويعكس هذا الموقف رغبة رسمية في إغلاق أحد أكثر الملفات التي أثرت على المشهد الداخلي السوري خلال العام الماضي، بعد تداعيات الأحداث الدامية التي شهدتها خلال يوليو/تموز 2025، عبر الدفع باتجاه إعادة النازحين في الريفين الشمالي والغربي إلى مناطقهم وتقديم ضمانات أمنية وإدارية تهدف إلى استعادة الاستقرار واحتواء التوترات المحلية.

وتزامن ذلك مع تجديد مدير مديرية الأمن الداخلي في مدينة السويداء سليمان عبدالباقي الدعوة لأهالي الريفين النازحين من قراهم للعودة إليها. وأشارت الوزارة إلى عمل قوى الأمن الداخلي على توفير البيئة الأمنية اللازمة لضمان استقرار وحماية ممتلكات النازحين.

وتدرك دمشق أن نجاح أي خطة لإعادة الاستقرار إلى السويداء لا يرتبط فقط بتأمين العودة المادية للنازحين، بل يتطلب أيضاً معالجة حالة انعدام الثقة التي ترسخت لدى شريحة واسعة من السكان عقب أحداث يوليو/تموز 2025. فالكثير من الأهالي ما زالوا يطالبون بضمانات حقيقية تتعلق بالأمن وحماية الممتلكات ومنع تكرار أعمال العنف، إلى جانب إيجاد آليات واضحة لمعالجة آثار الأزمة وتعويض المتضررين.

وتحاول الحكومة السورية من خلال هذه الخطوات إرسال رسائل طمأنة إلى أبناء المحافظة بأن الدولة عازمة على استعادة الاستقرار ومنع أي فراغ أمني قد يؤدي إلى تجدد التوترات. كما أن إعادة النازحين تمثل اختباراً مهماً لقدرة المؤسسات الرسمية على فرض حالة من الهدوء وإعادة بناء جسور التواصل مع المجتمع المحلي الذي شهد خلال السنوات الماضية تباينات سياسية وأمنية واجتماعية معقدة.

وأضافت أنها تتابع باهتمام بالغ مطالب الأهالي في قرى الريف الغربي والشمالي بمحافظة السويداء المتعلقة بتمكينهم من العودة إلى منازلهم وقراهم، مؤكدة أن هذا الملف يحظى بأولوية لدى الوزارة انطلاقا من مسؤوليتها الوطنية تجاه جميع أبناء المحافظة.

وألمحت الوزارة إلى دور "الحرس الوطني" في السويداء والمرجعية الروحية التي يتبع لها وشددت على ضرورة ألا تكون معاناة الأهالي موضع استغلال من أي جهة، مشيرة إلى أن "بعض المجموعات الخارجة عن القانون والتي سعت خلال الفترة الماضية إلى توظيف هذه القضية لتحقيق مكاسب ضيقة، تسهم في إطالة معاناة الأهالي النازحين".

وقالت "سنواصل بالتنسيق مع الجهات المعنية اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لضمان عودة الأهالي وحماية ممتلكاتهم وترسيخ الأمن والاستقرار في جميع مناطق المحافظة".

ويكتسب ملف العودة أهمية إضافية باعتباره مدخلاً لمعالجة ملفات أخرى مرتبطة بالأوضاع المعيشية والخدمية والاقتصادية في المحافظة. فاستمرار النزوح يفاقم الضغوط الاجتماعية ويؤخر عملية التعافي المحلي، بينما يمكن أن تسهم عودة السكان في تنشيط الحياة الاقتصادية وإعادة تشغيل الأنشطة الزراعية والتجارية التي تشكل ركائز أساسية لاقتصاد المنطقة.

غير أن نجاح هذه الجهود يبقى مرتبطاً بمدى قدرة السلطات على تحويل التعهدات إلى إجراءات ملموسة على الأرض، إذ إن استعادة الثقة تتطلب وقتاً وخطوات عملية تتجاوز البيانات الرسمية، وتشمل تعزيز الأمن، وتكريس المصالحات المحلية، وضمان عدم تكرار الأحداث التي دفعت آلاف العائلات إلى مغادرة منازلها.

وبذلك تبدو مساعي دمشق الحالية جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى احتواء الخلافات الداخلية وفتح صفحة جديدة في السويداء، انطلاقاً من قناعة بأن الاستقرار الدائم لا يتحقق فقط عبر الإجراءات الأمنية، بل من خلال بناء الثقة بين الدولة والمجتمع المحلي وإعادة دمج جميع المكونات في مسار وطني جامع يطوي آثار الأزمة ويمنع تجددها مستقبلاً.

والسبت بعث محافظ السويداء مصطفى البكور رسالة إلى أهالي القرى في الريفين الغربي والشمالي في السويداء مؤكدا جاهزية المحافظة لاستقبالهم في قراهم، ومشددا على أن عودتهم حق طبيعي واقترح في سبيل ذلك تشكيل لجان في كل قرية برئاسة رئيس البلدية تتولى تنظيم عملية العودة بشكل آمن ومنظم.

وشهدت مدينة السويداء الأحد وقفة احتجاجية نظمها نازحون من أهالي قرى الريفين الغربي والشمالي طالبوا خلالها بالسماح لهم بالعودة إلى منازلهم التي نزحوا عنها عقب أحداث يوليو/تموز الدامية صيف العام الماضي. وأعطى المحتجون لـ"الجهات المعنية" مهلة مدتها 5 أيام من أجل البدء بتحرك يضمن عودتهم إلى بيوتهم.

وعبّر المشاركون في الوقفة عن استيائهم من الظروف الاقتصادية الصعبة واستغلال بعض أصحاب البيوت في المدينة لحاجتهم عبر رفع أسعار إيجارات المنازل لتتراوح بين 100 و200 دولار شهريا.

وعقب الأحداث الدامية التي وقعت في السويداء منتصف يوليو/تموز الماضي سيطرت فصائل مسلحة تتبع للمرجعية الروحية في المحافظة التي يقودها الشيخ حكمت الهجري على مدينة السويداء والريفين الجنوبي والشرقي وأعلنوا عن رغبتهم الصريحة في الانفصال عن سوريا بينما بقيت السيطرة في الريفين الشمالي والغربي للحكومة السورية.

وأسفرت الاشتباكات عن تهجير عشرات الآلاف من عائلات العشائر البدوية من منازلها في المدن والبلدات والقرى وتوزعت عائلات العشائر المهجرة من السويداء على مراكز إيواء في محافظتي درعا ودمشق وريفهما. كما أسفرت الأحداث عن نزوح أهالي قرى الريفين الشمالي والغربي إلى مدينة السويداء والريفين الشرقي والجنوبي.