أحمد طمليه: 'ليلة واحدة فقط' كُتبت عن تجربة السجن وفكرته
صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر رواية جديدة للكاتب الأردني أحمد طمليه أسماها ''ليلة واحدة فقط''، تسرد حكاية واقعية في سياق متخيَّل، تمتزج فيه الوقائع بالخيال لتقديم صورة عمّا يمكن أن يحدث لإنسان مسالم يجد نفسه في مواجهة ظرف خارج عن إرادته.
قدم للرواية الناقد الدكتور زياد أبو لبن، الذي يرى أنها ليست رواية عن السجن بقدر ما هي رواية عن انتظار الحرية، وليست رواية عن الدين والكفالة فحسب، بل عن الإنسان في مواجهة امتحانات الحياة المفاجئة.
ويضيف أبو لبن انها ''نص يجمع بين متعة الحكاية وصدق التجربة، وبين التشويق السردي وعمق الرؤية الإنسانية، الأمر الذي يجعلها تجربة روائية تستحق الوقوف عندها بوصفها نموذجًا لالتقاء السيرة بالمغامرة، والواقع بالفن، في عمل سردي قادر على أسر القارئ وإبقائه مشدودًا إلى خيوط الحكاية حتى الصفحة الأخيرة".
وتسعى ''ليلة واحدة فقط'' إلى استكشاف التحولات التي تطرأ على الإنسان عندما يجد نفسه فجأة في مواجهة سلطة لا يفهم منطقها، ومصير لم يختره، وحرية لا يكتشف قيمتها الحقيقية إلا حين تُسلب منه.
أما الجديد والمختلف عن رواياته السابقة ذكر الروائي طمليه: الجديد في رواية (ليلة واحدة فقط) يعتبرها روايته الأولى رغم صدور ثلاث روايات من قبل له (أمي وأعرفها.. على سبيل المثال..كومبارس) والسبب الفكرة، أنه تنبه في هذه الرواية إلى أهمية أن يكتب عن وقائع عاشها بشكل أو آخر، لا أن يفترض أجواء ما ويكتب عنها. . كل رواية هي مشاهدات ليس بالضرورة عاشها المؤلف بل يمكن سمع عنها، أو رآها عبر وسيلة ما.. وأن تكتب عن حالة عشتها يعني ضمان الإحساس والصدق في العمل الروائي. طبعا الروائي لا ينقل ما شاهده، أو عاشه كما هو بل يخضعه إلى مخيلته التي تجعل من الحدث رواية كما يقول.. وعندما أقول رواية أقصد أن الرواية لا تمت للواقع بصلة مباشرة، لكنها تعبر عن هذا الواقع بطريقة أخرى، أو لنقل تستنطق الواقع، تجعله يحكي ويكشف عن ما لم يراه أحد.
ويضيف طمليه: في "ليلة واحدة فقط" أكتب عن ظرف أدى إلى قضائى ليلة في سجن الجويدة لا صنع من تلك الليلة عالما واسعا يحكي عن فكرة السجن، والحرية، والكرامة، وكيف يمكن أن تتورط براءة إنسان لم ير في حياته مركزا أمنيا ليجد نفسه في سجن وبين سجناء أصحاب جنح وجرائم حقيقة.
ما كفل لي أن أكتب رواية عن "ليلة واحدة فقط" تمتد صفحاتها إلى ما يقرب المئتي صفحة هو التركيز على التفاصيل الصغيرة، أدق التفاصيل، لتدليل أن الأزمات في التفاصيل الصغيرة، والحلول في التفاصيل الصغيرة، والحياة في التفاصيل الصغيرة، تلك التفاصيل التي نتجاهلها ونركز دائما على ما هو بعيد المدى.
ثم في هذه الرواية لا وجود للمجاز، والاستعارة، والغموض، بل هي وقائع حقيقة كل من يقرأ عنها يتمكن فورا من تصورها، والأهم تصديقها.
وعن تأثر بالروائيين العرب يقول: أنا متأثر جدا بأسلوب الروائي العالمي نجيب محفوظ، وأرى أن نكتب عن سي السيد مرة تلو المرة فهو شخصية موجودة بيننا. طبعا سي السيد مجرد مثال، فما قصدته ضرورة الكتابة عن شخصيات تعيش معنا، إذ أرى أن الإبداع يكمن في إعادة صياغة الواقع بصورة فنية مختلفة.
كما تأخذ "ليلة واحدة فقط" بأهم ما يجب أن تتحلى به الرواية الحديثة وهو عنصر التشويق، فالقارئ في ظل ثورة التكنولوجيا لا يحتمل أي إطالة أو مماطلة، وعليك كروائي أن تعرف كيف تشده من الصفحة الأولى وأن تجعله يتابعك حتى آخر كلمة في الرواية.
وكما لفت الناقد الدكتور زياد أبو لبن في تقديمه للرواية الانتباه إلى استثمار الرواية ظاهره تبدو بسيطًة ومألوفًة، "رجل يجد نفسه خلف القضبان بسبب كفالة مالية قدمها بدافع الشهامة والرحمة لامرأة عجزت لاحقًا عن سداد ما ترتب عليها من التزامات. غير أن هذا الحدث الواقعي يتحول في يد الكاتب إلى نواة سردية خصبة، تتنامى منها شبكة واسعة من الأسئلة المتعلقة بالثقة والخذلان، والواجب الأخلاقي وثمن النبل الإنساني، وحدود التضامن في مجتمع تتشابك فيه العلاقات والمصالح والظروف الاقتصادية القاسية."
"يدخلنا أحمد طمليه إلى عالم بطله أحمد، النزيل الذي يقضي ساعاته مترقبًا لحظة الإفراج عنه، وكأنه يعيش سباقًا خفيًا مع الزمن. ومع كل ساعة تمر تتصاعد وتيرة القلق، وتتسع مساحة الأسئلة، ويجد القارئ نفسه منخرطًا وجدانيًا في متابعة مصير الشخصية، متلهفًا لمعرفة ما إذا كانت الأبواب المغلقة ستفتح أخيرًا أم أن القدر يخبئ منعطفًا جديدًا في الطريق. وهنا تتجلى براعة الكاتب في بناء التشويق؛ إذ لا يعتمد على المفاجآت المصطنعة، بل على التوتر الإنساني العميق الذي يتولد من انتظار الخلاص نفسه."
وأين يجد نفسه الكاتب طمليه في القصة أم الرواية أو في النقد السينمائي، يجيب: يمكنني القول إنني أجد نفسي في كتابة الرواية، إذ بدأت عام 2002 بكتابة القصة القصيرة، وصدرت لي مجموعة بعنوان (يا ولد) بدعم من أمانة عمان، اعتبرها الناقد السينمائي عدنان مدانات مؤشر لمخزون ما لدي، حين وضح في كلمة له ألقيت في حفل اشهار المجموعة في مكتبة شومان، إلى أهمية الاهتمام بما بين سطور ما أكتب. كما أشاد بها الكاتب ياسر قبيلات في قراءة له ظهرت في صحيفة الرأي. لكني لم ابق مع القصة القصيرة، إذ اتجه اهتمامي نحو السينما وكتابة النقد السينمائي، وكان من نتائج ذلك كتاب (ذروة المشهد) الذي صدر ضمن منشورات وزارة الثقافة عام 2010.
وفي العام 2014 صدرت طبعة ثانية من الكتاب ضمن مشروع مكتبة الأسرة الذي ترعاه وزارة الثقافة. أما الرواية فقد بدأت بها في العام 2023 بكتابة ثلاث روايات خلال ذلك العام (أمي واعرفها – المؤسسة العربية للدراسات والنشر، على سبيل المثال/ دعم وزارة الثقافة – دار ظلال وخطوط، ثم (كومبارس) دار أزمنة للنشر والتوزيع.
توقفت بعدها عامين، لأعود هذا العام وفي جعبتي ثلاثة كتب:( لبن العصفور ـ حياة على الحافة) يصدر قريبا عن الدار الأهلية للنشر والتوزيع. وقدم له الكاتب محمود الريماوي. وجاء في التقديم:
"ولعل أول ما يشد قارئ هذا الكتاب هو ما تتمتع به بنُيته المعمارية من مرونة، تتحدى وبغير تعمّد أو تخطيط ، التجنيس المسبق ضمن صنف من صنوف السرد ، وبحيث يكاد القارئ يجد نفسه عبر التفاعل مع النصوص شريكاً في محاولة تشكيل بُنية هذا الكتاب التي تتخلق وتنمو وتتفتح أمام أنظار هذا القارئ وبين يديه . ومع ان الكتاب يضم عدداً لا يُستهان به من القصص الناضجة ، إلا أنه يصعب تصنيف هذا الأثر على أنه مجموعة قصصية او كتاب قصصي، وان كان النسق القصصي حاضرا في صياغة النصوص. إذ ان هذا الأثر يتفلّت من هذا " الإسار" ويتدفق مثل جداول حرة ومتجاورة .
ويصدر هذا الكتاب في المقام الأول عن نزوع لسرد سِيري، فإنه يبقى أمينا الى درجة ملحوظة على هذا النزوع، ولكن بغير انغماس في تتبع مراحل زمنية وتقصي محطات مفصلية ، أو التزام بخيط توثيقي، اذ يترك الكاتب نفسه الساردة على السجية كأن يستذكر حدثا خارج السياق، أو يفسح المجال لذكرى تنثال عليه أو لخاطرٍ يعنّ له من مصدر غامض، ويجنح احيانا الى وقفات مفعمة بالتأمل وهو يرصد مفارقات اتسمت به فصول حياته.
على ان المؤلف وهو يخط كتابه المائز هذا، لم يستسلم الى نمط كتابة مُرسلة من قبيل عفو الخاطر، أو على شاكلة : من كل بستان زهرة ، فليس ثمة بستان ولا أزهار في بيئته ومرابع طفولته وفتوّته ، ولن يجد القارئ عناءً في التقاط الميسم الناظم لهذا الأثر، وهو : التحديق في أحوال العائلة ومعاينة الأهوال التي عصفت بها، والانطلاق من ذلك الى رصد صور الكفاح الذي يبذله افراد العائلة كلٌّ على طريقته، لمجابهة الشقاء الذي يتربّص بهم ويواكب يومياتهم، وحيث تبدأ النهارات بتساؤلات مُمضة حول ما يمكن عمله اليوم لدرء الخسارات."
وهناك رواية قطعت شوطا فيها تحت عنوان ''موعد للعزاء'' تتحدث عن عقدة التعبير عن المشاعر لدى المواطن العربي نتيجة ما تعرض له من انتكاسات. تبدأ الرواية على نحو غير مألوف:
"وعندما توفّيت أمّه، بدأ يدرك أنه يعيش أزمةً ما.
لم يكن يعرف طبيعتها على وجه الدقّة، ولا أعراضها الجانبية، ولا أثرها الواضح على حياته. لكنها كانت أزمة، أو لِنَقُل: إحساسًا دائمًا بأنه يعيش على نحو غير طبيعي.
كان يتساءل:
هل أنا وحدي هكذا؟
أم أن الجميع يشعرون بما أشعر به، لكنهم يخفونه، بينما أعلنتُ أنا عجزي عن الإحساس؟
ماذا كان يشعر؟
لا شيء تقريبًا.
والدليل أن دمعةً واحدة لم تنزل من عينيه.
لم يحزن، رغم أنهم أثقلوه بالعزاء، وطالبوه بالصبر والثبات، لأن "المصاب كبير"، كما يقولون.
وفي اللحظة التي كانوا يحثّونه فيها على التجلّد، كان يفكّر بهدوء:
هل كان الأفضل أن تبقى أمي حيّةً معي، أم أن تموت؟
هكذا كان يفكّر بينما كانوا يوارون جسدها التراب.
أو لعلّه لم يكن يفكّر على هذا النحو تمامًا، بل كان يشعر، في مكانٍ غامض داخله، أن موتها ربما كان أفضل.
كان يشعر بذلك رغم أنه لا يوجد ما يرجّح هذا الإحساس إطلاقًا. فأمّه كانت القلب الوحيد الذي أحبّه، والحضن الوحيد الذي يعرف، في قرارة نفسه، أنه قادر على احتوائه.
كم احتوته.
مرّاتٍ ومرات."
ثم ينتقل الراوي لنقل ما عاشه هذا الإنسان وكيف وصل به الأمر إلى هذه الغرائبية في التعامل مع موت أمه.
ويرى طمليه الذكاء الاصطناعي جازما أن هذه الوسيلة يمكن أن تخدم الكاتب الذكي، أي أن الأصل لدى الكاتب وما الذكاء الاصطناعي إلا مجرد مساعد هامشي. بمعنى لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقدم أي خدمة من أي نوع لكاتب يفتقد الموهبة. لهذا أطمئن كل من يعتقد أن للذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون له دور ما في المستقبل، لا دور حقيقي له، وهو أضعف بكثير من مخيلة المبدع واحساسه.