بروتين بسيط يعيد رسم مستقبل علاج ألزهايمر وباركنسون
واشنطن ـ كشف باحثون من كلية بايلور للطب في الولايات المتحدة عن آلية بيولوجية جديدة قد تُحدث نقلة نوعية في فهم أسباب الإصابة بأمراض التنكس العصبي، وفي مقدمتها مرضا الزهايمر والباركنسون.
ويتمحور الاكتشاف حول دور وقائي محتمل يؤديه بروتين التيوبيولين في الحدّ من تراكم البروتينات السامة داخل خلايا الدماغ.
نشر الباحثون دراستهم في مجلة 'ناتشر كومينكيشن' العلمية، وتوصلوا فيها إلى أن التيوبيولين، وهو اللبنة الأساسية التي تتشكل منها الأنيبيبات الدقيقة داخل الخلايا العصبية، قد يمتلك القدرة على منع البروتينات السامة من التكتل.
وتعمل الأنيبيبات الدقيقة داخل الخلية العصبية على غرار 'السكك الحديدية الداخلية'، إذ تتولى نقل المواد والجزيئات الضرورية بين أجزاء الخلية، فضلا عن دورها في الحفاظ على بنيتها وقدرتها على التواصل مع الخلايا المجاورة.
وركّزت الدراسة على بروتينَين اثنين يؤديان في الأصل وظائف طبيعية وأساسية في الدماغ السليم، أولهما بروتين تاو الذي يعمل على استقرار الأنيبيبات الدقيقة، وثانيهما بروتين ألفا-سينوكلين الذي يُنظّم التواصل بين الخلايا العصبية وإفراز الناقلات الكيميائية العصبية.
غير أن هذين البروتينين قد يفقدان توازنهما في ظروف مرضية معينة، فيتشوهان ويتراكمان على شكل كتل ضارة تُعيق عمل الخلايا العصبية، وتُسهم في الإصابة بفقدان الذاكرة واضطرابات الحركة والتدهور المعرفي العام.
وفي مرض الزهايمر، يُفضي تراكم بروتين تاو إلى تكوّن ما يعرف بـ'التشابكات الليفية العصبية'، في حين يرتبط تراكم ألفا-سينوكلين بظهور 'أجسام ليوي' داخل الخلايا العصبية، وهي السمة المميّزة لمرض الباركنسون.
واعتمد الفريق العلمي في هذه الدراسة على تقنيات كيميائية وفيزيائية حيوية متقدمة، إلى جانب التصوير المجهري عالي الدقة وفحوصات على نماذج من الخلايا العصبية، بهدف رصد كيفية تأثير التيوبيولين في سلوك بروتينَي تاو وألفا-سينوكلين داخل الخلية.
وكشفت النتائج أن التيوبيولين يُغيّر سلوك هذين البروتينين داخل تراكيز خلوية مجهرية تُعرف بـ'المكثّفات' أو 'القطيرات الخلوية'، إذ يمنعهما من التحوّل إلى كتل ضارة، ويُعيد توجيههما نحو أداء وظائفهما الطبيعية في بناء الأنيبيبات الدقيقة.
وأكد الدكتور فيريون، أحد الباحثين الرئيسيين في الدراسة، أن هذه النتائج تُعيد تعريف دور التيوبيولين جذريا، إذ كان يُنظر إليه على مدى طويل باعتباره ضحية سلبية للمرض، في حين تُثبت الدراسة أنه في الواقع حارس فاعل يصدّ التراكمات البروتينية السامة.
وأضاف أن رفع مستوى التيوبيولين في الخلية، بدلا من حجب تكوّن القطيرات الخلوية، قد يُشكّل استراتيجية علاجية انتقائية واعدة تحافظ في الوقت ذاته على الوظائف الصحية لبروتينَي تاو وألفا-سينوكلين.
ويُضيف هذا الاكتشاف بُعدا مزدوجا لمجالات التطبيق الطبي؛ فبما أن التيوبيولين يُنظّم كلاً من بروتين تاو المرتبط بالزهايمر وبروتين ألفا-سينوكلين المرتبط بالباركنسون، فقد تُتيح العلاجات المستندة إلى التيوبيولين مواجهة أمراض تنكسية عصبية متعددة في آنٍ واحد.
ويُشير الباحثون إلى أن انخفاض مستويات التيوبيولين في الدماغ قد يُشكّل علامة إنذار مبكر لبداية تراكم البروتينات السامة.
ويندرج هذا البحث ضمن توجه علمي متصاعد يُركّز على مفهوم 'توازن البروتينات' أو'البروتيوستاسيس'، وهو قدرة الخلايا على إنتاج بروتيناتها والحفاظ عليها وإعادة تدويرها بصورة سليمة. ويُجمع العلماء على أن اضطراب هذا التوازن يُمثّل أحد العوامل الجوهرية في ظهور أمراض الشيخوخة، بما فيها التنكس العصبي.
ويعتزم الفريق البحثي في مرحلة قادمة دراسة تأثير التيوبيولين في مكثّفات بروتينية أخرى تُعدّ مرتبطة بالتنكس العصبي، بهدف استيعاب الآليات التي تُحوّل هذه المكثّفات من حالة مرضية إلى حالة فسيولوجية طبيعية.
وتبقى هذه النتائج في طور البحث الأساسي، ولا تعني توافر علاج فوري لأيٍّ من هذين المرضين، لكنها تُرسي مسارا بحثيا جديدا ينقل التركيز من مجرد إزالة البروتينات المتراكمة إلى دعم الأنظمة الطبيعية التي تحول دون تكوّنها أصلا، مُمثّلةً بذلك خطوة إضافية في مسيرة الجهد العلمي العالمي لفهم أسرار الدماغ ومكافحة أمراض تُعاني منها عشرات الملايين حول العالم.