المالية.. فدرالية أم مركزية؟ ثروة العراق بين تفكير الحاكمين والجوهر الدستوري
منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة، قامت إرادة السلطة الحاكمة والقائمين عليها على اتخاذ سياسات مركزية صارمة في مختلف القطاعات، لاسيما في ما يخص ثنائية جمع الإيرادات وتوزيعها على المؤسسات الإدارية والجهات المحلية.
لقد كانت تلك المنهجية والآلية المالية تؤمن لمحتكري السلطة فائضاً من أدوات التحكم بكل أوجه الحياة والشأن العام، دوماً على حساب المهمشين والمستبعدين من المركز، فالمتحكمون بالدولة العراقية لم يستخدموا الجيش والأحزاب السياسية والأجهزة الأمنية فحسب، بل وظفوا أيضاً، وربما أولاً، ثروات الشعب العراقي لتوفير مزيد من أشكال السيطرة والهيمنة.
وتثبت القراءة الاقتصادية والمالية لتاريخ السلطة في العراق ذلك تماماً؛ إذ لم يكن تزامن تصاعد أشكال السلطوية الأمنية والسياسية في أواسط السبعينات مع مرحلة فورة أسعار النفط مجرد صدفة تاريخية.
وعلى الرغم من تكرار المحاولات التاريخية بغية إيجاد صيغ بديلة، تكون أكثر عدالة وقدرة على خلق التوازن بين مكونات الشعب العراقي، ومنها "بيان آذار 1970" الذي أقر الحكم الذاتي للشعب الكردي، إلا أن تلك التفاهمات لم ترَ النور بفعل إصرار الحاكمين على انتهاج رؤية قائمة على عقلية "الحزب الواحد" والمركزية المطلقة في إدارة شؤون البلاد.
وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى إجهاض العمليات السياسية المتلاحقة، واستنزاف الموارد العامة للدولة العراقية بشتى أبعادها البشرية، الاقتصادية، الثقافية، والاجتماعية. وكانت أحوال عموم العراق البائسة عقب سنوات حكم الأنظمة المركزية أكبر شاهد ودليل على ذلك البؤس الهيكلي.
إن التجارب التاريخية التي لا تُحصى أثبتت، مرة بعد أخرى، أن المركزية في إدارة المال العام لم تفضِ يوماً إلى أية تنمية حقيقية ومستدامة، أو شفافية ملموسة وذات نتائج. ولكن، وعلى الرغم من كل المآسي، يبدو وكأن العراق دولة وشعباً يعيش بلا ذاكرة؛ فمنذ تأسيس النظام السياسي الجديد في البلاد عقب العام 2004، لم تُوظف الأموال الطائلة والمتدفقة من واردات العراق - باستثناء إقليم كردستان العراق - بشكل أمثل في مختلف القطاعات، وتحديداً في الخدمات الأساسية، بناء المؤسسات، البنية التحتية، والتنمية البشرية العامة. فما كان العراق فقيراً ومعوزاً به طوال تاريخه الحديث، بقي كذلك في تاريخه المعاصر، وللأسباب البنيوية نفسها.
إن عقلية وآلية إدارة المال العام طوال العقود الماضية أثبتت قصورها؛ إذ أدت بشكل ميكانيكي إلى غياب المراقبة الدؤوبة، والمتابعة الجدية، والمحاسبة الحقيقية، وتالياً أنتجت هدراً وضياعاً لثروات مالية طائلة، تمكنت دول أخرى بجزء يسير منها من بناء حضورها العالمي الحديث.
لقد تسببت المركزية المالية بكل هذا التراجع دون أن يتم التعرض لها بالنقد والتفكيك، لكونها تحولت إلى شعار أعلى و"مقدس" ترفعه الأحزاب والكتل البرلمانية، دورة تلو أخرى، بغية جذب بعض القواعد الاجتماعية البائسة التي تملك استجابة نفسية للشعارات الشعبوية، ففي العمق، ثمة إيحاء مبطن بأن المركزية المالية تعني تحكم جماعة أهلية عراقية بأخرى، وتيار سياسي بآخر، وهذا الجوهر مناقض تماماً لجوهر العملية السياسية والدستور العراقي الحديث، الذي يصر في كل جملة منه على المساواة في المواطنة على المستوى الفردي، والتوافقية بين الجماعات المكونة للبلاد على المستوى الجمعي.
إن خطورة هذا النهج المركزي لا تقتصر على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تتجاوزها لتكون مؤثراً مباشراً في طبيعة وحقيقة النظام الفدرالي المنصوص عليه في الدستور، فالعديد من التشريعات التي لا تزال بعض الوزارات الاتحادية تعمل بموجبها وتلزم باقي المؤسسات بها اليوم، بُنيت في الأصل وفقاً لفلسفة الحزب الواحد الشمولية، ومع ذلك يُطالب الإقليم والمحافظات بالالتزام بها حرفياً في مفارقة تشريعية واضحة.
هذا الوضع يمثل ما يمكن تسميته بـ"المأزق الفكري والفلسفي" لآلية إدارة الثروة، وتحديداً فكرة مساهمة الأطراف في سلة الدولة المالية، وهو مأزق يصعب الخروج منه ما لم تلتفت النخب السياسية والحاكمة إليه بجدية وتفكير عميق.
قبالة ذلك، تثبت لنا التجارب الفدرالية الناجحة، والمنطقة العربية تمتلك نموذجاً بارزاً ممثلاً بدولة الإمارات العربية المتحدة التي تنتهج الفدرالية المالية بكل معانيها الدقيقة، أن "المساهمة المالية الطوعية للأطراف" في تمويل الدولة الاتحادية – وليس انتظار المنح والهبات المتقطعة من المركز – هو الطريق الصحيح والمستدام لبناء دولة صحية المؤسسات، وحيوية الإنتاج، وفاعلة الأداء، ومستدامة التنمية.
إن مشكلة التفكير المالي السائد لدى بعض النخب السياسية تكمن في قراءة العلاقة مع الإقليم والمحافظات من منظور مركزي ضيق في إدارة الواردات والنفقات. ورغم أن الاتحاد الذي تأسس بموجب دستور عام 2005 قد أشار صراحة إلى أنه اتحاد اختياري بُني بكامل الإرادة الحرة للأطراف المشكلة للنظام السياسي العراقي الجديد، إلا أن التطبيق الفعلي يسير في اتجاه معاكس، فالأصل الدستوري يقول إنه لولا هذه الأطراف والكيانات لما تشكل النظام السياسي الحالي، ولذا كان من المفترض أن تفاوض الأطراف الدولة الاتحادية على "مقدار مساهمتها المالية" و"تمثيلها السياسي" في إدارة تلك الدولة، وليس العكس كما يحدث الآن.
إن ما نشهده اليوم يعارض جوهر فكرة الاندماج الاختياري؛ فبدلاً من أن تحدد الأطراف نسبة معينة من وارداتها الكلية كمساهمة منها لتمويل "النفقات السيادية" للدولة الاتحادية وفقاً للمعايير الدستورية العادلة، نجد أن الدولة الاتحادية هي من تقوم – ووفق بعض المعايير الفنية المشكوك بدقتها وسياقها – بتحديد وحبس واردات الأطراف لتمنحها لها مرة أخرى على شكل تمويل مشروط! وهذا يدل بوضوح على أن الفلسفة الفدرالية للمالية العامة، كما وردت صراحة في دستور 2005، قد قُلبت رأساً على عقب، وتحولت من أداة للشراكة والتمكين إلى أداة للمركزية والتعطيل.
إن بناء دولة قوية ومستقرة، يدعم التوجهات الإصلاحية الحالية، يتطلب شجاعة فكرية لإعادة قطار الفدرالية المالية إلى سكته الدستورية الصحيحة، والانتقال من عقلية "الهيمنة المركزية" إلى رحابة "الشراكة التعاقدية العادلة".