هل تحدّد الجينات التفوّق الدراسي؟

دراسة حديثة تثير اهتمام الباحثين في علوم التربية وعلم النفس، تكشف أن القدرات المعرفية المتخصصة، مثل القراءة والرياضيات وسرعة
معالجة المعلومات، تتمتع بدرجة عالية من التأثير الوراثي، حتى عند فصلها عن الذكاء العام.
رانيا عبد العاطي
القاهرة

أثارت دراسة علمية حديثة اهتمام الباحثين في علوم التربية وعلم النفس بعدما كشفت أن القدرات المعرفية المتخصصة، مثل القراءة والرياضيات وسرعة معالجة المعلومات، تتمتع بدرجة عالية من التأثير الوراثي، حتى عند فصلها عن الذكاء العام، وهو ما قد يغير مستقبل فهم أسباب التفوق الدراسي وكيفية تصميم البرامج التعليمية.

ووفقًا لتقرير نشره موقع PsyPost المتخصص في الأبحاث النفسية، استنادًا إلى دراسة علمية نُشرت في دورية Intelligence المحكمة، فإن النتائج تشير إلى أن امتلاك مستوى مرتفع من الذكاء العام لا يفسر وحده تفوق الأفراد في مهارات بعينها، إذ تمتلك هذه القدرات المعرفية أساسًا وراثيًا مستقلًا.

واعتمد الباحثون على تحليل تلوي يُعد من أكبر الدراسات التي تناولت هذا الموضوع، حيث جمع نتائج 77 دراسة شملت أكثر من 747 ألف مقارنة بين توائم متطابقين وغير متطابقين، بهدف قياس حجم تأثير العوامل الوراثية في القدرات العقلية المختلفة.

وأظهرت النتائج أن متوسط التأثير الوراثي في القدرات المعرفية المتخصصة بلغ نحو 56 في المئة، وهي نسبة تقارب التأثير الوراثي المعروف للذكاء العام، كما ظلت هذه القدرات تحتفظ بتأثير وراثي مرتفع بلغ نحو 53 في المئة حتى بعد استبعاد أثر الذكاء العام إحصائيًا.

ولفتت الدراسة إلى أن القراءة والكتابة والرياضيات وسرعة معالجة المعلومات جاءت بين أكثر المهارات ارتباطًا بالعوامل الوراثية، بينما سجلت الذاكرة قصيرة المدى والاستدلال المجرد نسبًا أقل، وهو ما يفتح الباب أمام فهم أكثر دقة للفروق الفردية بين الطلاب.

ويرى الباحثون أن هذه النتائج لا تعني أن الجينات وحدها تحدد مستقبل الإنسان أو مستواه الدراسي، وإنما تؤكد أن القدرات الفطرية تختلف من شخص إلى آخر، في حين يظل التعليم والأسرة والبيئة الاجتماعية عوامل أساسية في تنمية تلك القدرات أو الحد من تأثيرها.

وتضيف الدراسة، بحسب ما أورده موقع PsyPost، أن هذه النتائج قد تسهم مستقبلًا في تطوير برامج تعليمية أكثر تخصيصًا، تعتمد على التعرف المبكر إلى نقاط القوة والضعف لدى الأطفال، بما يسمح بتقديم أساليب تدريس تتناسب مع احتياجات كل طالب بدلًا من الاعتماد على نموذج تعليمي موحد.

ويؤكد الباحثون أن الهدف من هذه النتائج ليس تصنيف الأطفال أو وضع قيود على فرصهم التعليمية، وإنما الاستفادة من التقدم في علوم الوراثة لفهم آليات التعلم بصورة أفضل، بما يساعد على بناء أنظمة تعليمية أكثر عدالة وكفاءة، تراعي الاختلافات الطبيعية بين الأفراد وتمنح كل طالب فرصة لتنمية إمكاناته إلى أقصى حد.