First Published: 2015-08-31

آن الأوان لردم الفجوة بين العلماء والمجتمع

 

القضاء على الفكر الداعشي الدموي يتطلب معالجة الأسباب التي أفرزته قبل أن نبدأ حملة تطهير المجتمع من الأفكار المغلوطة والمتطرفة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: عيد الظفيري

شهد مطلع القرن الماضي بروز حركات وتيارات إسلامية، استطاعت أن تؤسس قاعدة جماهيرية لا يستهان بها في مجتمعاتها، ويبرز من بينها أحد أهم حركات الإسلام السياسي، وهي جماعة الإخوان، حيث تمكنت هذه الجماعة من الانتشار في أكثر من بلد عربي، مستغلةً الظروف التي تمر بها المنطقة، من احتلال وحروب وتفشي الظلم الاجتماعي على أعلى مستوى.

وأبرز ما اتصفت به جماعة الإخوان، قدرتها على إعادة ترتيب صفوفها بشكل منظم ليس باستطاعة أي تنظيم حركي القيام به بمثل تلك الدقة والانضباط، ولهذا وصفها عديد من الباحثين والمختصين في الحركات الإسلامية بــ "التنظيم العالمي"، لكونها تحظى بشعبية وتأييد في أكثر من بلد عربي وينتشر أتباعها في كافة القارات.

وفي خضم التمدد والانتشار الآيديولوجي لفكر الجماعة، ظهرت الحاجة لإيجاد لواء ينضوي تحته الأتباع من مختلف الجنسيات والأعراق، على أن يكون الهدف الرئيس من إيجاده هو توحيد المنهجية في مناوأة الحكومات وتأليب الجماهير ضدها، في كل ما تقوم به من سياسات داخلية وخارجية، ولهذا الغرض روجت جماعة الإخوان مصطلح "الصحوة الإسلامية" الذي لا أشك بأنه وراء كل حالات الاحتقان الطائفي في مجتمعاتنا الإسلامية، لأن هذه الفكرة الإخوانية قائمة على تحريك عواطف البسطاء عبر توظيف الشعارات الدينية، من أجل تغييب العقل الجمعي وتعطيله عن ممارسة التفكير بمنطق حول الإشكالات والقضايا الملحة، وتكريس العداء في نفوس الأتباع للدولة والمختلفين معهم عقدياً وفكرياً.

وسبب انتهاجهم هذه الاستراتيجية، هو أنهم يدركون أن المرء حينما يكون تحت تأثير العاطفة يتحول إلى سلاح يستخدمونه وقتما يشاءون بالطريقة التي يختارونها.

ومع الأسف أن هؤلاء الحركيين استغلوا بذكاء براغماتي غياب استراتيجيات العلم الحديث القائمة على مناهج النقد والتفكير في الجوانب المختلفة لشتى مناحي الحياة، فرسخوا أفكارهم التي تدعو إلى التسليم بأن العنف واستحلال الدماء، هما من مقتضيات النهضة الإسلامية المقبلة!

لقد كنا في السابق نردد الأفكار التكفيرية التي زرعوها بعناية فائقة ولا نجد من يستنكر الجزم بصحتها لدى السواد الأعظم من المجتمع، إلا فئة قليلة اعتدنا بأن نصفهم بالعلمانية والليبرالية وغيرها من العبارات التي تُخرج الموصوف بها من الملة، ولسنا بحاجة للتذكير على هيمنة النقل على العقل في التعاطي مع قضايانا المعاصرة، بدليل أن قياساتنا واستنتاجاتنا في مختلف المسائل والإشكالات دائماً ما تبنى على اجتهادات فقهية مضت عليها قرون، قد لا يكون من الملائم الأخذ بها في هذا العصر، بمعنى أن تلك الاجتهادات أتت في سياق زمني ومكاني له خصوصيته التي قد لا تنطبق عليها أحوالنا الراهنة.

ومن بين الأسباب التي ساهمت في توهج شعبية التيارات والحركات الإسلامية المتطرفة قبل الثورة المعلوماتية الراهنة، هو أن الخطاب الإعلامي الرسمي كان بعيداً عن هموم الناس ومشكلات التنمية، بينما كانت المخيمات الدعوية وحلقات العلم والتحفيظ تلعب دوراً جوهرياً في غرس الأفكار المتطرفة في عقول مرتاديها من مختلف الفئات العمرية، من خلال إتاحة الفرصة لهم للتعبير عن وجهة نظرهم في القضايا والإشكالات الاجتماعية والتنموية، في ظل الغياب الكلي للبرامج الحوارية في قنواتنا الرسمية، فلم يكن النقد في تلك الفترة أمراً مقبولاً لا في قنواتنا الإعلامية ولا حتى في صحفنا المحلية، ولهذا السبب كان أكثر ما يجذب الشباب لحضور الملتقيات والندوات التي يعقدها رموز الحركات والتيارات الإسلامية، هو ذلك الهامش الواسع من حرية الرأي، الذي غالباً ما يتجاوز حدود السقف المسموح به، وهذا يكفي لأن يتفاعل الشباب مع مثل هذه الخطابات، التي تبدو لهم ظاهرياً بأنها تحاكي همومهم وآمالهم وتطلعاتهم في نهوض وطنهم الذي أنهكه الفساد والمفسدون، بينما الغاية الحقيقية من وراء ذلك هو تأسيس فكر ثوري يؤمن بالعنف إيماناً تاماً على أنه الخلاص الذي تنهض به المجتمعات.

أعتقد أن القضاء على الفكر الداعشي ليس بالسهولة التي يتصورها بعضهم، لذلك من الأولى أن نعالج الأسباب التي أفرزت لنا مثل هذا الفكر الدموي، قبل أن نبدأ حملة تطهير المجتمع من الأفكار المغلوطة والمتطرفة.

وأول ما يجب القيام به هو ردم الفجوة الكبيرة بين العلماء والمجتمع، وأقصد بالفجوة في هذا السياق هو الغياب الواضح للعلماء عن المشاركة في الرأي في القضايا المختلفة، التي تنشرها وسائل الإعلام المختلفة، لا سيما تلك القضايا المتعلقة بالمشكلات التنموية والاجتماعية، كي نتحرر من تلك الصورة النمطية التي تحصر دور العالم في إصدار الفتاوى الشرعية، وكأنه محرم عليه الخوض في غير الأمور الشرعية!

والعالم حينما يكون قريباً من الناس ويتبادل معهم وجهات النظر فيما يلتبس عليهم من الأمور يكون دوره أعظم وأجل، فهو بهذا المسلك يحمى الناس من الأفكار المضللة التي يروج لها أتباع الحركات والتيارات المسيسة، وفرصة ردم الفجوة متاحة أكثر من أي وقت مضى بفضل تعدد وسائل التواصل الاجتماعي، التي استغلها أنصار الفكر الإخواني في السنوات القليلة الماضية، وحققوا من خلالها نجاحاً منقطع النظير.

 

عيد الظفيري

كاتب سعودي مهتم بالشؤون الدينية والسياسية

 
عيد الظفيري
 
أرشيف الكاتب
العودة العمانية: لا حياد في الإرهاب
2017-01-11
عادل الجبير.. القوي الأمين
2016-12-28
مَن يتصدى للحشد الطائفي؟
2016-11-27
الوطنية السعودية بين الإفراط والتفريط
2016-11-21
من المسؤول عن انخفاض انتاجية موظفي الدولة السعودية؟
2016-10-24
منظمة العار ترحب بإسرائيل!
2016-08-17
ظاهرة الانغلاق الفكري
2016-07-25
التطرف في سبيل الله!
2016-07-02
سيلفي.. الحكاية التي فهمها الجميع
2016-06-23
التعايش بين طليطلة وكتالونيا
2016-05-30
المزيد

 
>>