First Published: 2015-12-30

العربية.. كانت لا تغرب عنها الشمس!

 

ما هي المخاوف على العربية؟ وهل هي عاجزة عن التطور واستيعاب المصطلح الأجنبي؟

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: رشيد الخيّون

عُقد في مقر منظمة اليونسكو بباريس مؤتمر عن أهمية اللغة العربية، تبنته الممثلية السعودية في المنظمة، ومنذ سنوات أُعتبر يوم الثامن عشر من ديسمبر يوماً لإحياء اللغة العربية. فعندما يُخصص يوم لإحياء لغة ما يعني ذلك أن هناك قلقاً ومخاوف من تراجع دور هذه اللغة، ليس بين أبناء العرب بالمهجر وإنما داخل البلدان العربية نفسها، هذا ما عبّر عنه المحاضرون في المؤتمر.

ومع وجود مئات الملايين من الناطقين بهذه اللغة، فإن منافسة اللغات الأجنبية تبدو جادة لها، وفي عِقر دارها، والسبب أن بعض هذه اللغات الأجنبية، كالإنجليزية مثلاً، غدت لغة العِلم، ويتعلمها الطفل العربي منذ الصفوف الأولى الأساسية، ولم يجر اشتراط تعليم الأجانب العاملين بالبلدان العربية للغة العربية، وإنما على العربي الذي يتعامل مع هؤلاء الأجانب أن يتقن لغتهم، وهذا أمر يفرضه الواقع؛ فالعالم اليوم يتفاهم بلغات مثل الإنجليزية والفرنسية على سبيل المثال. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار كثرة البلدان التي أُحتلت في الماضي مِن قبل الإنجليز والفرنسيين، والبلدان الكبرى حالياً مثل الولايات المتحدة التي تتحدث هذه اللغة، فإن علينا تقدير التزام الصينيين بلغتهم.

لذا عندما جرى الحديث في المؤتمر المذكور عن اللغة العربية كان هناك رجوع إلى التَّاريخ، يوم كانت العربية لغة العلم والتخاطب لإمبراطورية شاسعة الآفاق، لأنها كانت لغة الدَّولة؛ فأي أعجمي يمتهن العِلم والثقافة عليه إتقان اللغة العربية، ولأنها أيضاً ارتبطت بالدِّين وبالحضارة الإسلامية. وعلى ما يبدو فإن سيبويه (ت 180هـ)، الذي يعتقد بعض المنتقدين أنه ورطنا في عقدة النحو والإعراب ربما يكون قد ألّف كتابه لجموع الأعاجم الذين أقبلوا على تعلم اللغة العربية. لكن بعد البُعد المتزايد عن الفصحى ولغة البادية، تحول نفع الكتاب إلى أبناء العرب أنفسهم، وإن كل مَن كتب بعد الفراهيدي (170هـ)، وأقصد معجمه «العين»، ومعه سيبويه، عيالاً عليهما.

ومِن المعلوم أن الكثير مِن الذين كتبوا في الفلسفة، وعلم الكلام، والحديث، والفقه، وعلوم القرآن، والطب، والهندسة.. ليسوا عرباً، لكنهم كتبوا باللغة العربية، لأنها السائدة آنذاك، بل إن العلوم المدونة في اللغات الأخرى كان يتم إهمالها إذا لم تترجم إلى العربية، والشَّاهد أن ابن الوحشية (بعد 291هـ) وكان بابلياً كسدانياً «ومعنى الكسداني نبطي» (ابن النَّديم، الفهرست) -لعلها تصحيف كلداني- ضاق من معاملة قومه معاملة طائفية في العصر العباسي، ليقول في ذلك: «والله إن الغيرة على الناس تحملني على إظهار بعض علومنا لهم، لعلهم ينتهوا عن ثلب النَّبط، وينتبهوا من رقدتهم» (الفلاحة النّبطية).

كذلك أصبحت الأبجدية العربية أبجدية للغات عدة، منها الفارسية والكردية والتركية مثلاً، مع الاختلاف ببعض الأحرف، لكن الكتابة في الثقافة والعلم كانت بالعربية، والكل كان مشرئباً للدراسة ببغداد حاضرة العباسيين، حيث كانت تُدرس علوم اليونان والرومان والهنود والسريانيين بالعربية، بعد أن أصبحت الترجمة علماً، وربَّما الذي بدأ به هو خالد بن يزيد بن معاوية (ت 86هـ)، بعد أن زهد في الخلافة، ووجّه كل اهتمامه لشؤون العلم وكلف مترجمين بترجمة كتب الطب والكيمياء. ثم علا شأن الترجمة في زمن المأمون (ت 218هـ)، وحينها اشتهر بيت الحكمة في بغداد.

كانت العربية لغة المناظرة والجدل، ولم يتساهل الناس مع اللحن على لسان فقيه أو حتى قائد، والتمييز معروف بين لغة الخواص (الفصحى) ولغة العوام (العامية)، حتى قُدم سؤال في النَّدوة: هل القلق على العربية مِن اللغات الأجنبية أم مِن العامية، والتي تسمى الشعبية أيضاً؟ وها نحن نرى أن الشعر العامي أو النبطي صار أكثر قبولاً لدى الجمهور، بينما يكاد الشعر بالفصحى ينحصر بالنخبة. بينما العربية أكثر اللغات التي كُتب في حفظها، مِن المعاجم، والتوارد والترادف، وأسماء الأشياء ككتاب «فقه اللغة» للثَّعالبي (ت 429هـ)، وقبله الكتب التي أشار ابن خلدون (ت 808هـ) إلى أهميتها: «أدب الكاتب»، و«البيان والتبيين»، و«الكامل في اللغة والأدب»، و«نوادر أبي علي القالي». وفوق هذه الكتب وغيرها، جميعاً يأتي القرآن الكريم كتاب الله تعالى الحافظ الأول للغة العربية.

إذن، ما هي المخاوف على العربية؟ وهل هي عاجزة عن التطور واستيعاب المصطلح الأجنبي؟ هذا أمر لابد منه، مع اختلاط الألسن وتشابكها، وضرورة تعلم أكثر من لغة، وبالتأكيد لا تبقى لغة على ما هي عليه. أما مسألة نحت مصطلحات أجنبية بالعربية فقد لا تنجح دائماً، أو تكون ثقيلة على اللسان العربي.

ويبقى أن هناك مَن يفكر بترجمة العلوم إلى اللغة العربية، كالطب والهندسة وبقية العلوم، كما فعلت العديد من دول العالم غير العربية لمصلحة لغاتها القومية، على الرُّغم مِن محدودية انتشار لغاتها. لكن هل الجامعات العربية والمؤسسات العلمية جاهزة لهذا التَّعريب، الذي يواكب التَّطور العلمي العالمي؟ أرى الواقع يفرض نفسه، وفي التنافس الحضاري تسود لغات وتنحسر أُخرى. نعم، كانت العربية لا تغرب عنها الشمس، لكن الزمن تبدل.

 

رشيد الخيّون

r_alkhayoun@hotmail.com

 
رشيد الخيّون
 
أرشيف الكاتب
رفسنجاني.. غياب المعتدل المنافس
2017-01-11
الخميني.. وسوء معاملة غير المسلمين
2017-01-04
2017 نحو التنوير والتسامح
2016-12-28
حلَب ابن العَديم والكواكبي
2016-12-21
أوروبا ومخاض التسامح الديني
2016-12-14
غير المسلمين.. مواطنون لا جوالي
2016-12-07
الحشد الشَّعبي.. لكلِّ زمن حرسه!
2016-12-01
الحسين.. عامل وحدةٍ لا فُرقة
2016-11-23
معرض الشارقة.. مواجهة الفكر الهدام
2016-11-16
أمّ الربيعين.. «يا مَن فقتِ حسنهما»
2016-11-09
المزيد

 
>>